يكن فيه ذلك الاختلال التكويني الذي صنعه بنفسه لما سمع الكذب أبدا .
أو أنه عندما أكل السّحت صار سماعا للكذب . أو سمع كذبا فصار أكّالا للسّحت . ولنلاحظ أن الحق لم يقل : « آكل للسحت » ، ولم يقل : « سامع للكذب » ؛ ولكنه قال :
« سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ »
أي أنهم تعودوا سماع الكذب وتعودوا أكل السّحت ، فالواحد منهم أخذ حراما من أول الأمر ، وعندما صار أكالا وسمّاعا للكذب في آن واحد ، اختلت ذرّات تكوينه ، ولم يعد في أعماقه نور ليرفض الكذب . بل أقبل عليه ، ويغريه الكذب ثانية بأن يأكل السّحت ، والأمر دائر بين سماع كذب وأكل سحت .
وقضية الكذب هي قضية صراع الباطل مع الحق . وما دام الكذب غير مطابق لوازع كونى أو لواقع منهجى تكليفي فهذا يصنع خللا في الكون . وحينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا المثل في ذلك جاء بالمثل في أمر حسى حتى نراه جميعا :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
( من الآية 17 سورة الرعد )
أي أن كل واد تحمّل على قدر طاقته . ومن بعد ذلك يقول الحق :
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
( من الآية 17 سورة الرعد )
فقبل أن ينزل السيل من على الجبال إلى الوديان ، يأخذ كل الأشياء التي تضادفه على الجبل من آثار الرياح ، ومن أوراق النبات ، فينزله إلى الوادي ، وتلك هي الأشياء التي تصنع الزّبد ونقول عنه في لغتنا العامية : « الرّغاوى » .
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
( من الآية 17 سورة الرعد )
و « رابيا » أي عائما وعاليا وطافيا فوق المياه ، لماذا ؟ لأنه ما دام زبدا ففيه فقاقيع هواء تجعل حجمه أكبر من وزنه . وتصبح كثافته أقل من المياه ؛ لذلك يطفو فوقها .
وماذا يكون الموقف بعد ذلك ؟