والجهل - إذن - أن تعرف نسبة تعتقدها وهي غير واقعة . ولا يرهق الدنيا غير الجاهل ، لا الأمى ؛ لأن الأمى له عقل فارغ يكفى أن تقول له الحقيقة فيصدقها ، أما الجاهل فيحتاج إلى أن نخلع من أفكاره الفكر الخاطىء ونضع له الفكر الصحيح .
أما إن كانت النسبة غير واقعة . فالنفى فيها يساوى الإثبات ، وهذا هو الشك .
وإن كانت هناك نسبة راجحة فهو الظن . والنسبة المرجوحة هي الوهم . إذن هناك عدد من النسب : نسبة علم ، نسبة تقليد ، نسبة جهل ، نسبة شك ، نسبة ظن ، نسبة وهم . وعلى ذلك يكون الكذب نسبة غير واقعة ، فإن كنت تعتقدها فأنت من الجاهلين .
ويقابل الكذب الصدق ، وعندما يقول الحق :
« سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ » .
فالنسبة هنا غير مطابقة للواقع . ويقتنص الملبّسون بعض النسب التي تأتى في بعض من أسلوب القرآن ويقولون : في القرآن كلام لو محّصناه لوجدناه غير دقيق . مثال ذلك :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
( من الآية 1 سورة المنافقون )
كلام المنافقين هنا قد طابق كلام اللّه ، ولكن لماذا يقول الحق من بعد ذلك :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
( من الآية 1 سورة المنافقون )
النسبة واحدة ، لكن اللّه يكذب المنافقين . وإن فطنا إلى قول اللّه حكاية عنهم :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
( من الآية 1 سورة المنافقون )
أي أن اللّه يكذّب شهادتهم ، لأن محمدا رسول اللّه بالفعل ، ولكنهم كاذبون لأنهم لا يعتقدون ذلك ، فالشهادة هي ما يوافق اللسان ما في القلب .
إذن قوله الحق :
« سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ »
أي أن عملهم الاستماع