لا تعارض . والبعض يقول : إن في قوله الحق :
« فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ »
إلزاما . ونقول : المعنى الواضح هو أنك يا رسول اللّه ، إن رجحت جانب أن تحكم وتقضى بينهم فاحكم بما أنزل اللّه ، ولننظر إلى الأداء القرآني لأن المتكلم إله وحكيم :
« فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ »
. ونلحظ أن الأمر هنا جاء بطريقة تؤكد أن الإعراض ممكن ؛ لأنهم أرادوا أن يحكم لهم رسول اللّه على هواهم ، وطمأنه اللّه بأنه سيحميه من شرهم إن أعرض عنهم ، وكأن الحق يقول لرسوله : إياك أن تفكر حين تعرض عنهم أنهم سينالونك بالشر لأنك لم تحقق لهم التيسير الذي ابتغوه عندك
« وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً »
وإياك أن تجعل الضرر منهم مرجّحا للحكم ؛ فأنت بالخيار ؛ إما أن تحكم وإما أن تعرض .
ولا تخش من شرهم لأن الذي أرسلك يحميك .
« وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ »
والحكم في هذه الآية يأتي كالقوس في البداية وفي النهاية ، والحكم بينهم يكون بالقسط ؛ أي بالعدل .
والعدل ليس كما يراه الهوى ولكن حسب ما أنزل اللّه . أي أن اللّه يحب الذين يزيلون الجور . وما دام الحكم بالعدل يأتي ليزيل الجور ، فكأنه كان من قبل جور مقنن ؛ إذن ف « أقسط » أي أزال جورا مقننا وأعاد توازن الميزان ليعود الانسجام بين الإنسان والكون . والكون كله يسير بميزان ؛ الأرض تدور والشمس تؤدى مهمتها ، ولا كوكب يصطدم بكوكب آخر :
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
( من الآية 40 سورة يس )
فإن أردتم أن تستقيم لكم أموركم الاختيارية ، فانظروا إلى الأمور الإجبارية التي حولكم ، فإن كانت بنظام وميزان واعتدلت الأمور ، اعدلوا - إذن - في إدارة شئونكم حتى تنسجموا كما انسجم الكون ، ولذلك نقرأ قوله تعالى :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ
( 8 )
( سورة الرحمن )