ومن بعد ذلك يقول الحق :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها
( من الآية 5 سورة النساء )
لم يقل ارزقوهم منها ، ذلك أنه سبحانه شاء أن يعلمنا أن الرزق مطمور في رأس المال ويجب أن يتحرك رأس المال في الحياة حتى لا ينقص بالنفقة ، وحتى لا تستهلكه الزكاة ، وحتى يبلغ السّفيه رشده ويجد المال قد نما . هذه بعض من معطيات « في » . وهناك آية الصّلب :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
( من الآية 71 سورة طه )
بعض المفسرين يقولون في هذه الآية :
« لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ »
ونقول :
إن الذين قالوا ذلك لم يفسّروا هذه الآية وكان يجب أن يقولوا في تفسير ذلك :
لأصلبنكم على جذوع النخل تصليبا قويا يدخل المصلوب في المصلوب فيه .
ومثال ذلك لو جئنا بعدو ثقاب وربطناه على الأصبع بخيط رفيع وأوثقنا الربط ، فعود الثقاب يغوص في الأصبع حتى يصير وكأنه داخل الأصبع . وعندما يقول الحق :
« وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ »
فيجب ألا نفهم هذا القول إلا على أساس أنه تصليب على جذوع النخل تصليبا قويا يدخل المصلوب في المصلوب فيه . وتلك هي العلّة في وجود « في » وعدم وجود « على » .
والحق يقول هنا :
« لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ » *
فكأن المسارعة إما أن تكون ب « إلى » وإما أن تكون ب « في » . فإن كانت ب « إلى » فهي انتقال إلى شئ لم يكن فيه ساعة بدء السرعة ، وإن كانت ب « في » فهي انتقال إلى عمق الشئ الذي كان فيه قبل أن يبدأ المسارعة .
« لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ »
فالإيمان محلّه القلب ، والإسلام محلّه الجوارح ؛ ولذلك قال سبحانه :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
( من الآية 14 سورة الحجرات )