من حاكم يقوم بذلك كي ينضبط الأمر ويستقيم ، إنه يخرج على الشريعة فقط في حالة العدوان .
أما الذي يذهب للاعتداء على الناس ولم يكن بينه وبينهم عداء ؛ فهذه هي الحرابة . كأن يخرج ليقطع الطريق على الناس ويخيف كل من يلقاه ويسبّب له القلق والرّعب والخوف على نفسه وماله ، والمال قد يكون من جنس الحيوان أو جنس النبات أو جنس الجماد . وذلك ما يسميه الشرع حرابة وستأتي لها آية مخصوصة .
إذن . فالفساد في الأرض معناه إخراج صالح عن صلاحه مظروف في الأرض ، والمظروف في الأرض سيده الإنسان ، والإفساد فيه إما بقتله أو إهاجته وإشاعة الرّعب فيه ، وإما بشئ مملوك له من الأشياء التي دونه في الجنسية مثل الزروع أو النباتات أو الحيوانات . فكأن الفساد في الأرض - أيضا - يؤهل لقتل النفس :
« مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً » .
أي أن القتل بغير إفساد في الأرض ؛ هو القتل الذي يستحق العقاب . أما القتل بإفساد في الأرض فذلك أمر آخر ؛ لأن هناك فارقا بين أن يقتل قصاصا أو أن يقتل حدّا من المشرّع ؛ وحتى عفو صاحب الدم عن القاتل في الحرابة وقطع الطريق لا يشفع في ذلك ولا يسقط الحد عن الذي فعل ذلك ؛ لأنها جريمة ضد المجتمع كله .
ويتابع سبحانه :
« وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ »
والمسرف هو المتجاوز للحد ، وهو من لا يأخذ قدر تكوينه وموقعه في الوجود ، بل يحاول أن يخرج عن قدر إمكاناته في الوجود .
مثال ذلك : رجل حاول أن يسطو على حق غيره في الوجود ؛ متخطيا منزلة الاعتدال فلا يأخذ حقه فقط . مثل قطاع الطريق أو النهابين يأخذون عرق غيرهم وتعودوا أن يعيشوا كذلك وبراحة . والمصيبة لا تكون في قاطع الطريق وحده ، ولكن تتعداه إلى المجتمع . فيقال : إن فلانا يجلس في منزله براحة وتكفيه ساعة بالليل ليسرق الناس .
إن الأمر لا يقف عند حدود ذلك الإنسان إنما يتعدّاه إلى غيره . ويحيا من