ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
( من الآية 38 سورة الأنعام )
أي مما تختلف فيه أهواؤكم ، وسئل الإمام محمد عبده ، وهو في باريس : أنتم تقولون
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ »
فكم رغيفا في أردب الدقيق ؟ . فقال :
انتظروا : واستدعى خبازا وسأله : كم رغيفا في أردب القمح ؟ . فقال له : كذا رغيف . فقالوا له : أنت تقول إنه في الكتاب . فقال لهم : الكتاب هو الذي قال لي :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( من الآية 43 سورة النحل )
إن قوله :
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ »
أي مما تختلف فيه الأهواء أو تفسد فيه حركة الحياة في الأرض . فربنا هو - سبحانه - جعل أناسا تتخصص في الموضوعات المختلفة .
« قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ »
يعنى : يا أهل الكتاب انتبهوا إلى أن هذه فرصتكم لنصفى مسألة العقيدة في الأرض وننهى الخلاف الذي بين الدينين السابقين ونرجع إلى دين عام للناس جميعا ، ولا تبقى في الأرض هذه العصبية حتى تتساند الحركات الإنسانية ولا تتعاند ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
( من الآية 29 سورة الفتح )
انظر كيف يجمع الإسلام بين أمرين متناقضين : فلم يجئ الإسلام كي يطبع الإنسان ليكون شديدا ؛ لأن هناك مواقف شتى تتطلب الرحمة ، ولم يطبعه على الرحمة المطلقة لأن هناك مواقف تتطلب الشدة ، فلم يطبع الإنسان في قالب ، ولكنه جعل المؤمن ينفعل للحدث .
ويقول الحق :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
( من الآية 54 سورة المائدة )