يرتدع ويعاود نفسه ويقول : إن الإيمان قد جعل هذا المسلم يتغلب على البغض وحكم بالحق على الرغم من أنه يعلم أنني عدو له .
ولنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السّلام الأسوة الحسنة ، فقد جاءه رجل غريب يسأله طعاما أو مبيتا ، فسأله إبراهيم عن دينه . فوجده كافرا ، فلم يجب مسألته .
وسار الرجل بعيدا ، فأنزل اللّه سبحانه على إبراهيم وحيا : أنا قبلته كافرا بي ومع ذلك ما قبضت نعمتي عنه . وسألك الرجل لقمة أو مبيت ليلة فلم تجبه . وجرى سيدنا إبراهيم خلف الرجل واستوقفه ، فسأل الرجل سيدنا إبراهيم ؛ ما الذي حدث لتغير موقفك ، فقال سيدنا إبراهيم : إن ربى عاتبني في ذلك . فقال الرجل :
نعم الرب إله يعاتب أحبابه في أعدائه ، وآمن الرجل .
وهذا يوضح لنا معنى
« أَقْرَبُ لِلتَّقْوى »
فقد صار الرجل الكافر أقرب للتقوى .
إذن : فالمعنى النفسي الذي يصيب خصمك أو من يبغضك أو من بينك وبينه شنآن ، حين يراك آثرت الحق على بغضك له ، يجعله يلتفت إلى الإيمان الذي جعل الحق يعلو الهوى ويغلبه ويقهره ، ويصير أقرب للتقوى . وأيضا من يشهد بالقسط هو أقرب للتقوى .
ويذيل الحق الآية بقوله :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ »
فهو - سبحانه - الخبير بما نعمل . وإياك أيها المؤمن أن تصنع ذلك لشهرة أن يقال عنك إنك رجل حكمت على نفسك . ولكن اعمل من أجل اللّه حتى وإن كان الموقف يستحق منك الفخر .
إن كثيرا من الناس يحكمون بالظلم ليشتهروا بين الناس بالعدل ، كيف ؟
لنفرض أنه قد عرضت عليك قضية هي خصومة بين ابنك وابن جارك ؛ الشجاعة الأولى تفرض أن تحكم لابن جارك وهو غير محق على ابنك ، لكن الشجاعة الأقوى أن يكون الحق لابنك وتحكم له ، أما إن حكمت لابن جارك - وهو غير محق - ففي هذه الحالة تكون قد حكمت بالظلم لتشتهر بين الناس بالعدل !
يجب أن يكون الحق أعز عليك من ابنك وابن جارك ، وإياكم أن تعملوا أعمالا