ونقول : أهي القلوب خلقت غلفا . . أي أن القلوب خلقت مختوما عليها بحيث لا يدخلها هدى ولا يخرج منها ضلال ، أم أنتم الذين فعلتم الختم وأنتم الذين صنعتم الغلاف ؟
وسبحانه أوضح في آيتي سورة البقرة أنه جل وعلا الذي ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة . فالختم على القلب حتى لا يتعرفوا إلى الدليل ؛ لأن القلب محل الأدلة واليقين والعقائد . والختم على الأسماع والأبصار هو الختم على آلات إدراك الدلائل البينات على وجود الحق الأعلى ؛ فمقر العقائد مختوم عليه وهو القلب ، ومضروب على الآذان وعلى البصر غشاوة ، فهل هذا كائن بطبيعة تكوين هؤلاء ؟ لا ؛ لأنه إذا كان هذا بطبيعة التكوين فلماذا خصّهم اللّه بذلك التكوين ؟
ولماذا لم يكن الذين اهتدوا مختوما لا على قلوبهم ولا على أسماعهم ولا على أبصارهم ؟
غير أن الواحد منهم يبرر لنفسه وللآخرين انحرافه وإسرافه على نفسه بالقول :
« خلقني اللّه هكذا » وهذا قول مزيف وكاذب ؛ لأن صاحبه إنما يكفر أولا ، فلما كفر وانصرف عن الحق تركه اللّه على حاله ؛ لأن اللّه أغنى الشركاء عن الشرك ، فمن اتخذ مع اللّه شريكا فهو للشريك وليس للّه . إذن فالختم جاء كنتيجة للكفر .
وقدمت آيات سورة البقرة الحيثية : أن الكفر يحدث أولا ، ثم يأتي الختم على القلب والسمع والبصر نتيجة لذلك . وهنا في آية سورة النساء :
« وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » .
فالكفر جاء أولا ، وفي ذلك رد على أي إنسان يقول : « إن اللّه لا يهديني » . ولا يلتفت إلى أن اللّه لا يهدى من كفر به ، وكذلك الفاسق أو الظالم ، والمثال الأكبر على ذلك إبليس الذي كفر أولا ، وبعد ذلك تركه اللّه لنفسه واستغنى عنه .
ولنا هنا وقفة لفظية مع قوله الحق :
« فَبِما نَقْضِهِمْ »
لأن الفهم السطحي لأصول الأسلوب قد يتساءل : لماذا جاءت « ما » هنا ؟ وبعضهم قال : إن « ما » هنا زائدة . ونقول : إياك أن تقول إن في كلام اللّه حرفا زائدا ؛ لأن معنى ذلك أن المعنى يتم بغير وجوده ويكون فضولا وزائدا على الحاجة ولا فائدة فيه ، ولكن عليك أن تقول : « أنا لا أفهم لماذا جاء هذا الحرف » ، خصوصا ونحن في هذا العصر نعيش