« فبشرهم » لكان وقوع الخبر المؤلم هينا . لكن الحق يريد للخبر أن يقع وقوعا صاعقا ، ومثال لذلك قول الحق :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
( من الآية 29 من سورة الكهف )
إنهم يستغيثون في الآخرة ، ويغاثون بالفعل ، ولكن بماذا يغيثهم اللّه ؟ إنه يغيثهم بماء كالمهل يشوى الوجوه . إننا ساعة أن نسمع « يغاثوا » قد نظن أن هناك فرجا قادما ، ولكن الذي يأتي هو ماء كالمهل يشوى الوجوه . وهكذا تكون البشارة بالنسبة لمن قتلوا الأنبياء أو لأتباع القتلة الذين آمنوا بمثل ما آمن به هؤلاء القتلة .
« فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ »
وكلمة « عذاب » تعنى إيلام حىّ يحس بالألم . والعذاب هو للحىّ الذي يظل متألما ، أما القتل فهو ينهى النفس الواعية وهذا ليس بعذاب ، بل العذاب أن يبقى الشخص حيّا حتى يتألم ويشعر بالعذاب ، وقول الحق :
« بِعَذابٍ أَلِيمٍ »
يلفتنا إلى قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً
( 56 )
( سورة النساء )
أي أن الحق يديم عليهم الحياة ليديم عليهم التعذيب . وبعد ذلك يقول الحق :
أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 22 )
إنهم الذين كفروا بآيات اللّه ، وقتلوا النبيين بغير حق ، وقتلوا الذين أمروا بالقسط بين الناس ، هؤلاء لهم العذاب ، ولهم أيضا حبط العمل في الدنيا