إذن فقوله الحق :
« وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ »
أي جردوا من أنفسكم أمة مجتمعة على أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، واستمعوا إلى قوله تعالى :
وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( 3 )
( سورة العصر )
إن السورة الكريمة توضح العقيدة ومطلوبها وهو الإيمان والعمل الصالح . وبعد ذلك قال الحق :
« وَتَواصَوْا »
ولم يقل « ووصوا » ما معنى « تواصوا » ؟ أي أن يعرف كل مؤمن أنه من الأغيار ، وكذلك أخوه المؤمن ، وقد يضعف أحدهما أمام معصية فيصنعها ، لكن الآخر غير ضعيف أمام تلك المعصية ، لذلك يكون على غير الضعيف توصية الضعيف ، وعلى الضعيف أيضا ضرورة الانتباه حتى يتواصى مع غيره . فالإسلام لم يجعل جماعة يوصون غيرهم ، وجماعة أخرى تتلقى الوصاية ، بل كلنا موص - بكسر الصاد - حينما نجد من من يضعف أما معصية . وكلنا موصى ، - بفتح الصاد - حين يكون ضعيفا أمام المعصية ؛ فالتواصى يقتضى التفاعل بين جانبين . . فمرة تكون موصيا ، ومرة تكون موصى ، وكذلك التواصى بالصبر .
فساعة تحدث كارثة لواحد من المسلمين يأتي أخوه ليصبره ، وكذلك إن حدثت كارثة للأخ المسلم يصبره أخوه المسلم ، فعندما يحتاج مسلم في وقت ما إلى أن يصبّر ، يجد من إخوته من يصبره ، فالأمة كلها مطالبة :
« وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ »
.
هكذا نفهم معنى قول الحق :
« وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
. والدعوة إلى الخير يفسرها الحق بأن يأمر الإنسان بالمعروف ، وأن ينهى عن النكر .
ويقول الحق :
« وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
أن كلمة « المفلحون » هي كلمة معها دليلها ، فالمفلح هو الذي أخذ الصفقة الرابحة . والكلمة مأخوذة ، من فلح الأرض . فالذي يفلح الأرض ويحرثها ثم يزرعها يجد الثمرة تجيئه في النهاية ، وقد جاء الحق بالمسألة المعنوية من أمر محس . وبعد ذلك يريد الحق أن يعطينا شيئا آخر