وقوله الحق :
« لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ »
المقصود به أن تظلوا على هدايتكم . لقد خاطبهم الحق :
« إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً »
وساعة يطلب التشريع منك ما أنت عليه ، فاعلم أن التشريع يريد منك استدامته ، فعندما يقول الحق
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) *
أي مع الإيمان الذي معكم قبل كلامي ، جددوا إيمانا بعد كلامي ليستمر لكم الإيمان دائما . وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 )
وكلمة « أمة » تطلق مرة ، ويراد بها الجماعة التي تنتسب إلى جنس ، كأمة العرب ، أو أمة الفرس ، أو أمة الروم ، ومرة تطلق كلمة « أمة » ويراد بها الملة أي الدين ، ومرة ثالثة تطلق كلمة « أمة » ويراد بها الفترة الزمنية كقول الحق :
وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
( 45 )
( سورة يوسف )
إن الرجل الذي فسر له سيدنا يوسف الرؤيا تذكر سيدنا يوسف بعد أمة أي بعد فترة من الزمن ، ومرة تطلق كلمة « أمة » على الرجل الجامع لصفات الخير :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 120 )
( سورة النحل )
لأن خصال الخير ليس من الضروري أن تجتمع في واحد ، ولكنها قد تجتمع في عدد من الأفراد فيكون هناك فلان المتميز بالصفة الطيبة ، وغيره متصف بصفة أخرى طيبة ، وثالث فيه صفة طيبة ثالثة ، ومن مجموع الأمة تظهر صورة الكمال ، لكن إبراهيم عليه السّلام اجتمعت فيه كل خصال الخير المكتمل .