فآليت على نفسي ألّا أكتب آية إلّا إذا وجدتها مكتوبة وشهد عليها اثنان ، إلّا آخر التوبة فوجدتها مكتوبة ولم يشهد عليها إلّا خزيمة ، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد قال في خزيمة : « من شهد له خزيمة فحسبه » ولنا أن نعرف أن زيد بن ثابت من الخزرج وأن خزيمة من الأوس . لقد جمعهما اللّه في جمع القرآن ، فنفع الأوسي الخزرجي ، وذلك ليدلنا الحق سبحانه دلالة جديدة ، وهي أن التفاخر قبل الإسلام كان بغير الإسلام ، لكن ساعة يجئ الإسلام فأي واحد من أي جنس ما دام قد أحسن الإسلام ، فله أن يفخر به ، فإياك يا أوسىّ أن تقول : « منا خزيمة » ؛ فالخزرجى له الفخر بخزيمة أيضا ، وليس للخزرجي أن يقول : « منا زيد بن ثابت » فللأوسى أيضا أن يفخر به ، لأن كلّا منهما قد جمعه اللّه بالآخر في القرآن ، والإسلام ، وهكذا يكون الاعتصام بحبل اللّه .
يقول الحق سبحانه وتعالى :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ »
إنّ الحرب ظلت مستعرة بين الأوس والخزرج مائة وعشرين عاما مع أن أصل القبيلتين واحد ، هما أخوان لأب وأم وعندما جاء الإسلام ألف اللّه بين قلوبهم وأصبحوا بنعمته إخوانا .
وهذا يدلنا على أن كل نزغة جارحة من الجوارح لا بد أن يكون وراءها هبة قلب وثورته وهياجه ، فاليد لا تصفع أحدا من فراغ ، ولكن الصفعة توجد في القلب أولا
« فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ »
، إن الحق سبحانه يقول :
« وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها »
والشفا هي الحافة ومرة يقال : « شفا » ، ومرة يقال : « شفة » . لقد كانوا على حافة النار ، ومن كان على الحافة فهو يوشك أن يقع ، فكأن اللّه يقول :
لقد تداركتم بالإسلام ، ولولا الإسلام لهويتم في النار .
ويقول سبحانه :
« كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ »
وهكذا نرى نعمة الإسلام في الدنيا ، فقدرة الإيمان على إنقاذ الإنسان من النار لا تحتاج إلى انتظار بل يستطيع المؤمن أن يراها في الدنيا . ولقد كان العرب قبل الإسلام مؤرقين بالاختلافات ، وموزعين بالعصبية ، وكل يوم في شقاق . ولما جاء الإسلام صاروا إخوانا ، وهذه نعمة عاجلة في الدنيا ، والدنيا كما نعرف ليست دار جزاء ، فما بالك بما يكون في الآخرة وهي دار الجزاء والبقاء .