وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 16 )
إن قولهم :
« رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا »
هو أول مرتبة للدخول على باب اللّه ، فكأن الإيمان باللّه يتطلب رعاية من الذي تلقى التكليف لحركة نفسه ، لأن الإيمان له حق يقتضى ذلك ، كأن المؤمن يقول : أنا ببشريتى لا أستطيع أن أوفى بحق الإيمان بك ، فيارب اغفر لي ما حدث لي فيه من غفلة ، أو من زلة ، أو من كبر ، أو من نزوة نفس .
وهذا الدعاء دليل على أنه عرف مطلوب الإيمان كما أوضحه لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيانه لمعنى الإحسان حين قال :
« الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » .
كأنك تستحضر اللّه في كل عمل ؛ لأنه يراك .
وهل يتأتى لواحد من البشر أن يجترئ على محارم من يراه بعينه ؟ حينئذ يستحضر المؤمن ما جاء إلينا من مأثور القول ، فكأنه سبحانه وتعالى يوجه إلينا الحديث :
يا عبادي إن كنتم تعتقدون أنى لا أراكم ، فالخلل في إيمانكم . وإن كنتم تعتقدون أنى أراكم فلم جعلتمونى أهون الناظرين إليكم ؟
وكأن الحق سبحانه يقول للعبد : هل أنا أقل من عبيدي ؟ أتقدر أن تسىء إلى أحد وهو يراك ؟ إذن فكيف تجرؤ على الإساءة لخالقك ؟
إن قول المؤمنين :
« إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا »
دليل على أنهم علموا أن الإيمان مطلوباته صعبة .
« الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا »
.
هامش
( 1 ) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .