ونقول : أنت لم تلتفت إلى التشويق بالأسلوب الجميل ، وحنان اللّه على خلقه .
إنه سبحانه وتعالى يقول لنا : ألا تريدون أن أقول لكم على أشياء تفضل تلك الأشياء التي تسيركم في الدنيا . فكأن الحق سبحانه وتعالى قد نبه من لم ينتبه . ولم ينتظر الحق أن نقول له : قل لنا يا رب .
لا ، إنه يقول لنا دون طلب منا ، ويقال عن هذا الأسلوب في اللغة إنه « استفهام للتقرير » ، فالإنسان حين يسمع :
« أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ »
فالذهن ينشغل ، فإن لم يسمع النبأ ، فلسوف يظل الذهن مشغولا بالنبأ ، ويأتي الجواب على اشتياق فيتمكن من نفس المؤمن .
ويأتي النبأ
« لِلَّذِينَ اتَّقَوْا »
، فعندما نمعن النظر في الشهوات التي تقدمت من نساء وبنين وقناطير مقنطرة من ذهب وفضة وخيل مسومة وأنعام وحرث ، ألا يكون من المناسب فيها أن يتقى الإنسان ربه في مجالها ؟
إن التقوى للّه في هذه الأشياء واجبة ، ولذلك قلنا من قبل قضية نرد بها على الذين يريدون أن يجعلوا الحياة زهدا وانحسارا عن الحركة ، وأن يوقفوا الحياة على العبادة في أمور الصلاة والصوم ، وأن نترك كل شئ . لهؤلاء نقول : لا ؛ إن حركتك في الحياة تعينك على التقوى ؛ لأننا عرفنا أن معنى التقوى هو أن يجعل الإنسان بينه وبين النار حجابا ، أو أن تجعل بينك وبين غضب ربك وقاية . فإذا ما أخذت نعم اللّه لتصرفها في ضوء منهج اللّه فهذا هو حسن استخدام النعم .
وقد أوضحت من قبل أن التقوى حين تأتى مرة في قول الحق :
« اتَّقُوا اللَّهَ » *
وتأتى مرة أخرى
« اتَّقُوا النَّارَ »
فهما ملتقيان ؛ فاتقاء النار حتى لا يصاب الإنسان بأذى ، وعندما يتقى الإنسان اللّه فهو يتقى غضب اللّه ؛ لأن غضب اللّه يورد العذاب ، والعذاب من جنود النار . إذن فالذين يتقون اللّه لا يظنون أنهم زهدوا في هذه الحياة لذات الزهد فيها ، ولكن للطمع فيما هو أعلى منها ، إنه الطمع في النعيم الأخروى الدائم .
ويوضح الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك : أنكم لن تتمتعوا في الآخرة لضرورة