فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ( 61 )
لقد جاء الحق البيّن والقول الفصل من اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فلا مجال للشك أو المراء ، ومن يرد أن يحتكم إلى أحد فليقبل الاحتكام إلى الإله العادل الذي لن يحكم بالباطل أبدا ، فهو سبحانه الحق ، ويجئ هذا القول :
« تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ »
. إن الطرفين مدعوان ليوجها الدعوة لأبنائهم ونسائهم ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مدعو لدعوة أبنائه ونسائه ، ومن له الولاية عليهم ؛ وبحضوره هو صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهم مدعون لدعوة أبنائهم ونسائهم وأنفسهم للابتهال .
وقد يسأل سائل : ولماذا تكون الدعوة للأبناء والنساء ؟ والإجابة هي : أن الأبناء والنساء هم القرابة القريبة التي تهم كل إنسان ، وإن لم يكن رسولا ، إنهم بضعة من نفسه وأهله . فكأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بأن يقول لهم : « هاتوا أحبابكم من الأبناء والنساء لأنهم أعزة الأهل وألصقهم بالقلوب وادخلوا معنا في مباهلة » « والمباهلة » : هي التضرع في الدعاء لاستنزال اللعنة على الكاذب ، فالبهلة - بضم الباء - هي اللعنة ، وعندما يقول الطرفان : « يا رب لتنزل لعنتك على الكذاب منا » فهذا دعاء يحمل مطلق العدالة ؛ فالإله الذي يستطيع أن ينزل اللعنة هو الإله الحق . وهو سينزل اللعنة على من يشركون به ، ولو كانت اللعنة تنزل من الآلهة المتعددة فسوف تنزل اللعنة على أتباع الإله الواحد .
ولهذا كانت الدعوة إلى المباهلة والبهلة - كما قلنا - وهي ضراعة إلى القوة القاهرة التي تتصرف في الأمر لتنهى الخلاف ، ثم صار المراد بالمباهلة هنا مطلق الدعاء ،