السّلام هو الذي قام برعاية شؤون مريم .
ويتابع الحق الكريم قوله :
« كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً »
إنه لم يدخل مرة واحدة ، بل دخل عليها المحراب مرات متعددة . وكان زكريا عليه السّلام كلما دخل على مريم يجد عندها الرزق ، ولذلك كان لا بد أن يتساءل عن مصدر هذا الرزق ، ولا بد أن يكون تساؤله معبرا عن الدهشة ، لذلك يجئ القول الحق على لسان زكريا :
« أَنَّى لَكِ هذا »
.
وساعة أن تسمع
« أَنَّى لَكِ هذا ؟ »
فهذا يدل على أنه قام بعمل محابس على المكان الذي توجد به مريم ، وإلا لظن أن هناك أحدا قد دخل على مريم ، وكما يقولون :
فإن زكريا كان يقفل على مريم الأبواب . وإلا لو كانت الأبواب غير مغلقة لظن أن هناك من دخل وأحضر لها تلك الألوان المتعددة من الرزق .
والزرق هو ما ينتفع به - بالبناء للمجهول - وعندما يقول زكريا عليه السّلام :
« أَنَّى لَكِ هذا »
. فلنا أن نتذكر ما قلناه سابقا من أن أي إنسان وكله اللّه على جماعة ويرى عندهم ما هو أزيد من الطاقة أو حدود الدخل ، فلابد أن يسأل كلّا منهم :
من أين لك هذا ؟ ذلك أن فساد البيوت والمجتمعات إنما يأتي من عدم الاهتمام بالسؤال وضرورة الحصول على إجابة على السؤال المحدد : من أين لك هذا ؟
إن الذي يدخل بيته ويجد ابنته ترتدى فستانا مرتفع الثمن ويفوق طاقة الأسرة ، أو يجد ابنه قد اشترى شيئا ليس في طاقة الأسرة أن تشتريه ، هنا يجب أن يتوقف الأب أوالولى ليسأل : من أين لك هذا ؟ إن في ذلك حماية لأخلاق الأسرة من الانهيار أو التحلل . فلو فطن كل واحد أن يسأل أهله ومن يدخلون في كفالته - « من أين لك هذا ؟ » لعرف كل تفاصيل حركتهم ، لكن لو ترك الحبل على الغارب لفسد الأمر .
وقول زكريا :
« أَنَّى لَكِ هذا ؟ »
هو سؤال محدد عن مصدر هذا الرزق ، ولننظر إلى إجابتها :
« قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »
ثم لا تدع البديهة الإيمانية عند سيدنا زكريا دون أن تذكره انها لا تنسى حقيقة واضحة في بؤرة شعور كل مؤمن :
« إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ