كما هو قول الكوفيّين وجماعة من البصريّين .
الثّاني : أنّه يلزم منه التّقييد بهذه الحال إذا عنى بالأنعام الثّمانية الأزواج ، وتقييد إحلاله تعالى لهم هذه الثّمانية الأزواج بحال انتفاء إحلاله الصّيد وهم حرم ، واللّه تعالى قد أحلّ لهم هذه مطلقا .
والثّالث : أنّه كتب ( محلّى ) بصيغة الجمع ، فكيف يكون حالا من اللّه ؟ وكأنّ هذا القائل زعم أنّ اللّفظ « محلّ » من غير ياء ، وسيأتي ما يشبه هذا القول .
الوجه الخامس : أنّه منصوب على الاستثناء المكرّر ، يعني أنّه هو وقوله :
إِلَّا ما يُتْلى
مستثنيان من شيء واحد ، وهو
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
نقل ذلك بعضهم عن البصريّين قال : « والتّقدير : إلّا ما يتلى عليكم إلّا الصّيد وأنتم محرمون ، بخلاف قوله تعالى :
إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
الحجر : 58 ، على ما يأتي بيانه » . قال هذا القائل : « ولو كان كذلك لوجب إباحة الصّيد في الإحرام ، لأنّه مستثنى من الإباحة . وهذا وجه ساقط ، فإذن معناه : أحلّت لكم بهيمة الأنعام غير محلّي الصّيد وأنتم حرم إلّا ما يتلى عليكم سوى الصّيد » انتهى . [ ثمّ ذكر قول أبي حيّان وردّ عليه فقال : ]
وهذا الّذي ذكره واختاره وغّلط النّاس فيه ليس بشيء ، وما ذكره من توجيه ثبوت الياء خطأ ووقفا ، فخطأ محض ؛ لأنّه على تقدير تسليم ذلك في تلك اللّغة فأين التّنوين الّذي في « محلّ » ؟ وكيف يكون فيه تنوين وهو مضاف حتّى يقول : إنّه قد يوجّه بلغة الأزد ، وما ذكره من كونه يحتمل ممّا يكونون قد كتبوه كما كتبوا تلك الأمثلة المذكورة فشئ لا يعوّل عليه ، لأنّ خطّ المصحف سنّة متّبعة لا يقاس عليه ، فكيف يقول :
يحتمل أن يقاس هذا على تلك الأشياء ؟ وأيضا فإنّهم لم يعربوا ( غير ) إلّا حالا ، حتّى نقل بعضهم الإجماع على ذلك ، وإنّما اختلفوا في صاحب الحال ، فقوله : إنّه استثناء ثان مع هذه الأوجه الضّعيفة خرق للإجماع ، إلّا ما تقدّم نقله عن بعضهم من أنّه استثناء ثان ، وعزاه للبصريّين ، لكن لا على هذا المدرك الّذي ذكره الشّيخ . وقديما وحديثا استشكل النّاس هذه الآية ، قال ابن عطيّة :
« وقد خلط النّاس في هذا الموضع في نصب ( غير ) وقدّروا تقديمات وتأخيرات ، وذلك كلّه غير مرض ، لأنّ الكلام على اطّراده فيمكن استثناء بعد استثناء » .
وهذه الآية ممّا اتّضح للفصحاء البلغاء فصاحتها وبلاغتها ، حتّى يحكى أنّه قيل للكنديّ : « أيّها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن » فقال : « نعم أعمل لكم مثل بعضه » ، فاحتجب أيّاما كثيرة ، ثمّ خرج فقال : « واللّه لا يقدر أحد على ذلك ، إنّني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النّكث وحلّل تحليلا عامّا ثمّ استثنى استثناء ، بعد استثناء ثمّ أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين » .
والجمهور على نصب ( غير ) ، وقرأ ابن أبي عبلة برفعه ، وفيه وجهان :
أظهرهما : أنّه نعت ل ( بهيمة الأنعام ) والموصوف ب ( غير ) لا يلزم فيه أن يكون مماثلا لما بعدها في جنسه ، تقول : « مررت برجل غير حمار » هكذا قالوه ، وفيه نظر ،