تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
من غير واو اتّباعا للرّسم . على أنّه يمكن توجيه كتابته ب ( الياء ) والوقف عليه ب ( ياء ) بأنّه جاء على لغة الأزد ؛ إذ يقفون على بزيد بزيدي ، بإبدال التّنوين ياء ، فكتب ( محلّي ) بالياء على الوقف على هذه اللّغة ، وهذا توجيه شذوذ رسميّ ، ورسم المصحف ممّا لا يقاس عليه . وقرأ ابن أبي عبلة ( غير ) بالرّفع ، وأحسن ما يخرّج عليه أن يكون صفة لقوله :
بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
ولا يلزم من الوصف بغير أن يكون ما بعدها مماثلا للموصوف في الجنسيّة ، ولا يضرّ الفصل بين النّعت والمنعوت بالاستثناء ، وخرّج أيضا على الصّفة للضّمير في ( يتلى ) . قال ابن عطيّة : لأنّ
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
هو في المعنى بمنزلة غير مستحلّ إذا كان صيدا ، انتهى . . ولا يحتاج إلى هذا التّكلّف على تخريجنا
مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
جملة حاليّة ، و ( حرم ) جمع حرام ، ويقال : أحرم الرّجل . إذا دخل في الإحرام بحجّ أو بعمرة أو بهما ، فهو محرم وحرام ، وأحرم الرّجل : دخل في الحرم . [ ثمّ استشهد بشعر ] ويحتمل الوجهين قوله :
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
إذ الصّيد يحرم على من كان في الحرم وعلى من كان أحرم بالحجّ والعمرة وهو قول الفقهاء . وقال الزّمخشريّ :
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
حال عن
مُحِلِّي الصَّيْدِ
كأنّه قيل : أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصّيد وأنتم محرمون لئلّا يتحرّج عليكم ، انتهى . وقد بيّنّا فساد هذا القول بأنّ الأنعام مباحة مطلقا ، لا بالتّقييد بهذه الحال . ( 3 : 415 )
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
تضمّن آخر قوله :
أُحِلَّتْ لَكُمْ
تحريم الصّيد حالة الإحرام ، وآخر قوله :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ
النّهي عن إحلال آميّ البيت . فجاءت هذه الجملة راجعا حكمها إلى الجملة الأولى ، وجاء ما بعدها من قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ
راجعا إلى الجملة الثّانية ، وهذا من بليغ الفصاحة . فليست هذه الجملة اعتراضا بين قوله :
وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ
وقوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ
بل هي مؤسّسة حكما لا مؤكّدة مسدّدة ، فتكون اعتراضا ، بل أفادت حلّ الاصطياد في حال الإحرام ، ولا تقديم ولا تأخير هنا ، فيكون أصل التّركيب : غير محلّي الصّيد وأنتم حرم فإذا حللتم فاصطادوا ، وفي الآية الثّانية يكون أصل التّركيب : ولا آمّين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربّهم ورضوانا ولا يجرمنّكم ، كما ذهب إليه بعضهم ، وجعل من ذلك قصّة ذبح البقرة ، فقال : وجه النّظر أن يقال :
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
البقرة : 72 الآية ، ثمّ يقال :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
البقرة : 69 . وكثيرا ما ذكر هذا الرّجل التّقديم والتّأخير في القرآن ، والعجب منه أنّه يجعله من علم البيان والبديع . وهذا لا يجوز عندنا إلّا في ضرورة الشّعر ، وهو من أقبح الضّرائر ، فينبغي بل يجب أن ينزّه القرآن عنه . قال : والسّبب في هذا أنّ الصّحابة لمّا جمعوا القرآن لم يرتّبوه على حكم نزوله ، وإنّما رتّبوه على تقارب المعاني وتناسق الألفاظ .