ب « عن » فلمّا وضع قوله : ( حفىّ ) موضع السّؤال ، وصله ب « عن » ، وتقديره : كأنّك حفيّ بالمسألة عنها ، أو تسأل عنها فتعلمها . ( 2 : 506 )
الفخر الرّازيّ : في « الحفيّ » وجوه :
الأوّل : الحفيّ : البارّ اللّطيف . قال ابن الأعرابيّ : يقال :
حفي بي حفاوة وتحفّى بي تحفّيا . والحفيّ : الكلام واللّقاء الحسن ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
أي بارّا لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته . فعلى هذا التّقدير :
يسألونك كأنّك بارّ بهم لطيف العشرة معهم ، وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسّدّيّ .
ويؤيّد هذا القول ما روي في تفسيره : إنّ قريشا قالت لمحمّد عليه السّلام : إنّ بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى السّاعة ؟ فقال تعالى :
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها
أي كأنّك صديق لهم بارّ ، بمعنى أنّك لا تكون حفيّا بهم ما داموا على كفرهم .
القول الثّاني :
حَفِيٌّ عَنْها
أي كثير السّؤال عنها ، شديد الطّلب لمعرفتها . وعلى هذا القول ( حفىّ ) « فعيل » من الإحفاء ، وهو الإلحاح والإلحاف في السّؤال ، ومن أكثر السّؤال والبحث عن الشّيء علمه .
قال أبو عبيدة : هو من قولهم : تحفّى في المسألة ، أي استقصى ، فقوله :
كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ،
أي كأنّك أكثرت السّؤال عنها ، وبالغت في طلب علمها .
قال صاحب « الكشّاف » : هذا التّرتيب يفيد المبالغة ، ومنه إحفاء الشّارب ، وإحفاء البقل : استئصاله ، وأحفى في المسألة ، إذا ألحف ، وحفي بفلان وتحفّى به : بالغ في البرّ به ؛ وعلى هذا التّقدير : فالقولان الأوّلان متقاربان . ( 15 : 81 )
القرطبيّ : أي عالم بها ، كثير السّؤال عنها . [ إلى أن قال : ]
قال محمّد بن يزيد : المعنى يسألونك كأنّك حفيّ بالمسألة عنها ، أي ملحّ ، يذهب إلى أنّه ليس في الكلام تقديم وتأخير .
وقال ابن عبّاس وغيره : هو على التّقديم والتّأخير ، والمعنى : يسألونك عنها كأنّك حفيّ بهم ، أي حفيّ ببرّهم وفرح بسؤالهم ؛ وذلك لأنّهم قالوا : بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا بوقت السّاعة . ( 7 : 336 )
البيضاويّ : عالم بها « فعيل » من حفي عن الشّيء ، إذا سأل . فإنّ من بالغ في السّؤال عن الشّيء والبحث عنه استحكم علمه به ، ولذلك عدّي ب « عن » .
وقيل : هي صلة ( يسئلونك ) .
وقيل : هو من الحفاوة بمعنى الشّفقة ، فإنّ قريشا قالوا له : إنّ بيننا وبينك قرابة فقل لنا : متى السّاعة ؟ والمعنى يسألونك عنها كأنّك حفيّ تتحفّى بهم ، فتخصّهم لأجل قرابتهم بتعليم وقتها .
وقيل : معناه كأنّك حفيّ ، من حفي بالشّيء ، إذا فرح ، ومعناه كأنّك حفيّ بالسّؤال عنها تحبّه ، أي تكثره وأنت تكرهه ، ولأنّه من الغيب الّذي استأثر اللّه بعلمه .
( 1 : 380 )
نحوه أبو السّعود ( 3 : 63 ) ، والبروسويّ ( 3 : 292 ) .
أبو حيّان : [ نقل الأقوال ثمّ قال : ]
أي تحبّه وتؤثره ، أو بمعنى أنّك تكره السّؤال لأنّها من علم الغيب الّذي استأثر اللّه به ، ولم يؤته أحدا . [ إلى أن قال : ]