وقال القشيريّ : « يحفظ بنيامين فلا يصيبه شيء من قبلهم . ولم يقل يعقوب : فاللّه خير من يردّه إليّ ، ولو قال ذلك لعلّه كان يردّه إليه سريعا » .
2 - قال الفخر الرّازيّ : « فإن قيل : هل يدلّ قوله :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
على أنّه أذن في ذهاب ابنه بنيامين في ذلك الوقت ؟ قلنا : الأكثرون قالوا : يدلّ عليه . وقال آخرون : لا يدلّ عليه ، وفيه وجهان :
الأوّل : التّقدير أنّه لو أذن في خروجه معهم ، لكان في حفظ اللّه لا في حفظهم .
الثّاني : أنّه لمّا ذكر يوسف قال :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
أي ليوسف ، لأنّه كان يعلم أنّه حيّ » .
3 - ذهب الزّجّاج إلى أنّ ( حافظا ) منصوب على الحال ، كما جوّز أن يكون تمييزا . غير أنّ الزّمخشريّ ذهب إلى أنّ ( حافظا ) منصوب على التّمييز ، ومثّل قائلا : هو خيرهم رجلا ، وللّه درّه فارسا ، كما جوّز أن يكون حالا .
ولم يستحسنه أبو حيّان ، لما فيه من تقييد ( خير ) بهذه الحال .
ونقل الآلوسيّ ردّ قول أبي حيّان « بأنّها حال لازمة مؤكّدة لا مبيّنة ، ومثلها كثير ، مع أنّه قول بالمفهوم وهو غير معتبر ، ولو اعتبر ورد على التّمييز » . ثمّ قال : « وفيه نظر » .
والحقّ أنّه تمييز - وتؤيّده قراءة ( حفظا ) كغيرها من الآيات فقد جاء فيها جميعا المنصوب بعد « خير » تمييزا دائما إمّا مصدرا - وهو كثير - مثل
ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
الإسراء : 35 ، أو مصدرا ميميّا مثل
خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
الفرقان : 24 ، و
أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً
مريم : 73 ، و
خَيْرٌ مَرَدًّا
مريم : 76 ، أو اسم مصدر مثل
هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً
المزّمّل : 20 ، و
هُوَ خَيْرٌ ثَواباً
الكهف : 44 . [ لاحظ خ ي ر :
« خير » ]
4 - قرئ ( حفظا ) وهو مصدر منصوب على التّمييز فحسب ، وتقديره : فاللّه خيركم حفظا من حفظكم الّذي نسبتموه إلى أنفسكم بقولكم :
وَنَحْفَظُ أَخانا ،
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ .
وقرأ الأعمش : ( فاللّه خير حافظ ) على الإضافة والإفراد ، وقرأ أبو هريرة : ( خير الحافظين ) على الإضافة والجمع .
الثّاني : حفظ الملائكة :
أ - ( 9 ) :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ
وفيها بحوث :
1 - يريد رقباء من الملائكة ، يحفظ كلّ إنسان ملكان :
أحدهما عن يمينه يكتب ما يعمل من الطّاعة والخير ، والآخر عن شماله يكتب ما يعمل من المعصية والشّرّ .
2 - قال الفخر الرّازيّ : « هاهنا احتمالان :
أحدهما : أن يكون هناك جمع من الحافظين ؛ وذلك الجمع يكونون حافظين لجميع بني آدم ، من غير أن يختصّ واحد من الملائكة بواحد من بني آدم .
وثانيهما : أن يكون الموكّل بكلّ واحد منهم غير الموكّل بالآخر ، ثمّ يحتمل أن يكون الموكّل بكلّ واحد من بني آدم واحدا من الملائكة ، لأنّه تعالى قابل الجمع بالجمع ؛ وذلك يقتضي مقابلة الفرد بالفرد . ويحتمل أن يكون الموكّل بكلّ واحد منهم جمعا من الملائكة - كما قيل - اثنان باللّيل واثنان بالنّهار ، أو كما قيل : إنّهم خمسة » .