ذلك أزجر لهم عن القبيح ، وأبعد من السّوء . ( 2 : 25 )
نحوه البيضاويّ ( 1 : 314 ) ، والنّسفيّ ( 2 : 16 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 425 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 395 ) ، وشبّر ( 2 : 269 ) ، والقاسميّ ( 6 : 2349 ) .
ابن عطيّة :
حَفَظَةً
جمع حافظ ، مثل كاتب وكتبة ، والمراد بذلك : الملائكة الموكّلون بكتب الأعمال .
وروي أنّهم الملائكة الّذين قال فيهم النّبيّ عليه السّلام ؛ « تتعاقب فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار » قاله السّدّيّ وقتادة .
وقال بعض المفسّرين :
حَفَظَةً
يحفظون الإنسان من كلّ شيء حتّى يأتي أجله ؛ والأوّل أظهر . ( 2 : 300 )
الفخر الرّازيّ : [ في الآية بحوث : ] البحث الأوّل :
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
فالمراد : أنّ من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم ، وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ،
وقوله :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
ق : 18 . وقوله :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ .
واتّفقوا على أنّ المقصود من حضور هؤلاء الحفظة :
ضبط الأعمال . ثمّ اختلفوا ، فمنهم من يقول : إنّهم يكتبون الطّاعات والمعاصي والمباحات بأسرها ، بدليل قوله تعالى :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
الكهف : 49 . وعن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنّ مع كلّ إنسان ملكين : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، فإذا تكلّم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلّم بسيّئة قال من على اليمين لمن على اليسار :
انتظره لعلّه يتوب منها ، فإن لم يتب كتب عليه .
والقول الأوّل أقوى ، لأنّ قوله تعالى :
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
يفيد حفظة الكلّ ، من غير تخصيص .
البحث الثّاني : أنّ ظاهر هذه الآيات يدلّ على أنّ اطّلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال ، أمّا على صفات القلوب وهي العلم والجهل ، فليس في هذه الآيات ما يدلّ على اطّلاعهم عليها . أمّا في الأقوال ، فلقوله تعالى :
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ،
وأمّا في الأعمال فلقوله تعالى :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ،
فأمّا الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك ، فلم يدلّ الدّليل على اطّلاع الملائكة عليها .
البحث الثّالث : ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكّلين على بني آدم وجوها :
الأوّل : أنّ المكلّف إذا علم أنّ الملائكة موكّلون به يحصون عليه أعماله ، ويكتبونها في صحائف ، تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة ، كان ذلك أزجر له عن القبائح .
الثّاني : يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصّحائف يوم القيامة ، لأنّ وزن الأعمال غير ممكن ، أمّا وزن الصّحائف فممكن .
الثّالث : يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد . ويجب علينا الإيمان بكلّ ما ورد به الشّرع ، سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل ، فهذا حاصل ما قاله أهل الشّريعة .
وأمّا أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه :