وقرأ أبو حيوة وأبو بحريّة وابن أبي عبلة ( في الحفرة ) بفتح الحاء وكسر الفاء ، على أنّه صفة مشبّهة من حفر اللّازم ك « علم » ، مطاوع حفر بالبناء للمجهول . يقال :
حفرت أسنانه فحفرت حفرا بفتحتين ، إذا أثّر الأكال في أسناخها وتغيّرت ، ويرجع ذلك إلى معنى المحفورة . وقيل :
هي الأرض المنتنة المتغيّرة بأجساد موتاها . ( 30 : 27 )
نحوه ملخّصا القاسميّ . ( 17 : 6046 )
بنت الشّاطئ : والحفرة في اللّغة معروفة ، والحفر :
إخراج التّراب من الحفرة ، والمحفرة : المسحاة أو ما يحفر به ، وسمّي حافر الفرس لحفره في عدوه . وسمّوا القبر حفيرا ، كما سمّوا من يحفر القبور حفّارا .
أمّا الحافرة فأصل استعمالها أنّ العرب كانت لا تبيع الخيل نسيئة ، بل تقول : « النّقد عند الحافرة » تعني ألّا يزول حافر الحصان عن مكانه حتّى ينقد ثمنه ، ثمّ نقل استعماله إلى كلّ حالة أولى ، ومنه قيل للخلقة الأولى :
حافرة - قاموس ، البحر المحيط - وقالوا : رجع فلان في حافرته ، أي في طريقه الّتي جاء فيها فحفرها ، أي أثّر فيها بمشيه ، جعلوا أثر قدميه حفرا .
وقد جاءت المادّة في القرآن مرّتين : آل عمران :
103 :
وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ،
والنّازعات :
10 :
أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ .
وبكلا المعنيين : حفرة القبر ، والحالة الأولى : فسّرت آية النّازعات ، وقد اقتصر الزّمخشريّ على المعنى الثّاني ، ومثله الشّيخ محمّد عبده .
وقيل : ( الحافرة ) : النّار ، ذكره أبو حيّان ، وهو ما لا يستطاع حمل اللّفظ عليه ، فيما نرى ، إلّا على بعد وتكلّف .
وقيل : ( الحافرة ) : جمع حافر ، بمعنى القدم ، أي أحياء نمشي على أقدامنا ، ونطأ بها الأرض . وليس من الهيّن عندنا أن يستعمل الحافر للإنسان إلّا أن يستعار .
وقال ابن عبّاس : ( الحافرة ) الحياة الثّانية « جاء في الطّبريّ والبحر » .
والأولى أن يستبقي اللّفظ دلالته اللّغويّة على حفرة القبر ، وعلى الحالة الأولى . فيكون السّؤال حين ترجف الراجفة : أئنّا لمردودون إلى الحياة ؛ إذ نحن في حفرة القبر ؟
( 1 : 119 )
سيّد قطب : أنحن مردودون إلى الحياة ، عائدون في طريقنا الأولى . يقال : رجع في حافرته ، أي في طريقه الّتي جاء منها . فهم في وهلتهم وذهولهم يسألون : إن كانوا راجعين في طريقهم إلى حياتهم ؟ ويدهشون : كيف يكون هذا بعد إذ كانوا عظاما نخرة . منخوبة يصوت فيها الهواء ؟
ولعلّهم يفيقون ، أو يبصرون ، فيعلمون أنّها كرّة إلى الحياة ، ولكنّها الحياة الأخرى ، فيشعرون بالخسارة والوبال في هذه الرّجعة ، فتندمنّهم تلك الكلمة
قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ .
النّازعات : 12 . ( 6 : 3813 )
مجمع اللّغة : أي أنعود في الدّنيا كما كنّا ، أو في الخلق الأوّل وإلى الحياة بعد الموت . ( 1 : 272 )
ابن عاشور : والمراد ب ( الحافرة ) : الحالة القديمة ، يعني الحياة . وإطلاقات الحافرة كثيرة في كلام العرب ، لا تتميّز الحقيقة منها عن المجاز . [ ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ واعتبره الأظهر ] ( 30 : 62 )
الطّباطبائيّ : و ( الحافرة ) : على ما قيل : أوّل الشّيء