« قيل : يعود على النّخل ، لأنّه ليس في الآية ما يجب أن يؤتى حقّه عند جذاذه إلّا النّخل . وقيل : يعود على الزّيتون والرّمّان ، لأنّهما أقرب مذكور » .
وأمّا حكم ما يؤتى حقّه ومقداره ، فهو مبسوط في كتب الفقهاء ، ومن تكلّم في آيات الأحكام .
3 - قال الشّيخ الطّوسيّ : « قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم ( حصاده ) بفتح الحاء ، والباقون بكسرها ، وهما لغتان » . وقال سيبويه : « جاءوا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزّمان على مثال ( فعال ) ، نحو : الضّرام والجزاز والجداد والقطاف والحصاد ، وربّما دخلت اللّغتان في بعض هذا ، وكان فيه فعال وفعال » .
ثالثا : جاء الحصيد حقيقة في ( 3 ) ، معرّفا بالألف واللّام ، وفيه بحوث :
1 - الحصيد « فعيل » بمعنى « مفعول » ، من : حصد الزّرع حصدا وحصادا ، أي جزّه ، وهو هنا الحنطة ، أو الحنطة والشّعير ، أو الحبوب المحصودة كلّها ، كما قال المفسّرون .
2 - قال الكوفيّون في
حَبَّ الْحَصِيدِ :
هو ممّا أضيف إلى نفسه ، لأنّ الحبّ هو الحصيد ، ونظيره قوله :
حَبْلِ الْوَرِيدِ
ق : 16 ، و
حَقُّ الْيَقِينِ
الواقعة : 95 ، وقولهم : مسجد الجامع ، وربيع الأوّل ، وصلاة الأولى .
وحجّتهم أنّ إضافة الشّيء إلى نفسه جائزة عند اختلاف اللّفظين .
وقال البصريّون : فيه موصوف محذوف ، وتقديره :
حبّ الزّرع الحصيد ، فأقيمت الصّفة مقامه . ويبدو أنّ قول الكوفيّين هو الأرجح ، لاستغنائه عن التّقدير وخلوّه من التّكلّف .
3 - قال أبو السّعود : « تخصيص إنبات حبّه بالذّكر لأنّه المقصود بالذّات » ، ولكن ما هو المقصود من إنبات ( الجنّات ) ؟ أهو شجرها وثمرها - وهو الظّاهر - أم شيء آخر لم يذكر فيها ؟
رابعا : جاء ( حصيد ) مجازا في ( 4 - 6 ) نكرة ، وفيها بحوث :
1 - ( حصيد ) - كما في ( 3 ) - « فعيل » بمعنى « مفعول » ، على التّشبيه بالزّرع المحصود ، أي المستأصل في الثّلاث ، والقرى الخامدة والخاوية ، والخراب والمندرسة ، وخرّ بنيانها وألزقت بالأرض في ( 4 ) ، والأرض الّتي حصد نباتها ، والّتي لا شيء فيها في ( 5 ) ، والظّالمون الهالكون في ( 6 ) .
2 - سياق الكلام في ( 4 ) و ( 6 ) خبر وفي ( 5 ) إنشاء ، ومراده أهل القرى ، لأنّ العذاب ينزل عليهم فيشمل ديارهم وقراهم ، ونظيره قوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
يوسف : 82 .
3 - استعمل الجعل مسندا إلى اللّه في ( 5 ) و ( 6 ) ، ووقع أثره على الكافرين من أهل القرى ، فصيّرهم ( حصيدا ) كما صيّر قوم نوح ( غثاء ) :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً
المؤمنون : 41 ، وأصحاب الفيل كالعصف المأكول :
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
الفيل : 5 ، والزّرع حطاما :
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً
الزّمر : 21 ، وسيأتي في « ح ط م » .