النّبات ، والخمود الّذي هو من خواصّ النّار ، ولا يجعل من باب التّشبيه مثل هم صمّ بكم عمي ، لأنّ جمع ( خامدين ) جمع العقلاء ينافي التّشبيه ؛ إذ ليس لنا قوم خامدون يعتبر تشبيه أهل القرية بهم ، إذ الخمود من خواصّ النّار بخلاف الصّمم مثلا ، فإنّه يجعل بمنزلة هم كقوم صمّ ، وكذا يعتبر ( حصيدا ) بمعنى محصودين على استواء الجمع والواحد في « فعيل » بمعنى « مفعول » ليلائم ( خامدين ) . نعم يجوز تشبيه هلاك القوم بقطع النّبات وخمود النّار ، فيكون استعارة تصريحيّة تبعيّة في الوصفين انتهى .
وكذا في « شرح المفتاح » للسّيّد السّند بيد أنّه جوّز أن يجعل ( حصيدا ) فقط من باب التّشبيه بناء على ما في « الكشّاف » أي جعلناهم مثل الحصيد ، كما تقول :
جعلناهم رمادا ، أي مثل الرّماد . وجعل غير واحد إفراد الحصيد لهذا التّأويل ، فإنّ مثلا لكونه مصدرا في الأصل يطلق على الواحد وغيره ، وهو الخبر حقيقة في التّشبيه البليغ ، ويلزم على ذلك صحّة : الرّجال أسد ، وهو كما ترى .
واعترض على قول الشّارحين : « إذ ليس لنا إلخ » بأنّ فيه بحثا مع أنّ مدار ما ذكراه من كون ( خامدين ) لا يحتمل التّشبيه ، جمعه جمع العقلاء المانع من أن يكون صفة للنّار حتّى لو قيل : خامدة كان تشبيها ، وقد صرّح به الشّريف في حواشيه ، لكنّه محلّ تردّد ، لأنّه لمّا صحّ الحمل في التّشبيه ادّعاء فلم لا يصحّ جمعه لذلك ؟ ولولاه لما صحّت الاستعارة أيضا . وذهب العلّامة الطّيّبيّ والفاضل اليمنيّ إلى التّشبيه في الموضعين ، ففي الآية أربعة احتمالات فتدبّر جميع ذلك .
و ( خامدين ) مع ( حصيدا ) في حيّز المفعول الثّاني ل « الجعل » كجعلته حلوا حامضا ، والمعنى : جعلناهم جامعين للحصاد والخمود ، أو لمماثلة الحصيد والخامد ، أو لمماثلة الحصيد والخمود ، أو جعلناهم هالكين على أتمّ وجه ، فلا يرد أنّ « الجعل » نصب ثلاثة مفاعيل هنا ، وهو ممّا ينصب مفعولين ، أو هو حال من الضّمير المنصوب في جعلناهم : أو من المستكنّ في
حَصِيداً ،
أو هو صفة ل ( حصيدا ) وهو متعدّد معنى .
واعترض بعضهم بأنّ كونه صفة له مع كونه تشبيها ، أريد به مالا يعقل يأباه كونه للعقلاء . ( 17 : 17 )
ابن عاشور : والحصيد : فعيل بمعنى مفعول ، أي المحصود ، وهذه الصّيغة تلازم الإفراد والتّذكير إذا جرت على الموصوف بها كما هنا .
والحصد : جزّ الزّرع والنّبات بالمنجل لا باليد . وقد شاع إطلاق الحصيد على الزّرع المحصود بمنزلة الاسم الجامد .
والخامد : اسم فاعل من خمدت النّار تخمد بضمّ الميم إذا زال لهيبها .
شبّهوا بزرع حصد ، أي بعد أن كان قائما على سوقه خضرا ، فهو يتضمّن قبل هلاكهم بزرع في حسن المنظر والطّلعة ، كما شبّه بالزّرع في قوله تعالى :
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ،
الفتح : 29 .
ويقال للنّاشىء : أنبته اللّه نباتا حسنا ، قال تعالى :
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ،
آل عمران : 37 . فللإشارة إلى