فتحرقهم كما تحرق النّار الحطب . أو يكون معناه فسيكونون لجهنّم حطبا توقد بهم ، كما توقد النّار بالحطب » .
4 - ما دام الإحراق بالحطب حقيقة والإحراق بالحصب مجازا ، فالأوّل أشدّ احتراقا من الثّاني ؛ إذ يحرق به ما خلق من النّار ، وهم الجنّ ، ويحرق بالثّاني - أي الحصب - الإنس وما يعبدون .
5 - والحصب والحطب لغتان ، ولا تبدل الصّاد من الطّاء في اللّغة ، بل تبدل الصّاد من الضّاد ، كما قرئ بذلك . وذكر ابن عبّاس أنّ الحصب لغة في الحطب بلغة الحبشة ، كما ذكر الفرّاء أنّه لغة يمنيّة أو نجديّة فيه .
6 - قرئ « الحصب » بخمس لغات أخرى : ( حصب ) بسكون الصّاد ، وصفا بالمصدر ، و ( حضب ) بالضّاد ساكنا ، و ( حضب ) بكسر الحاء مع تسكين الضّاد المعجمة ، و ( حضب ) بفتح الحاء والضّاد ، و ( حطب ) بالطّاء ، وقراءات الضّاد الثّلاث على البدل .
7 - قال القرطبيّ : « يظهر من هذه الآية أنّ النّاس من الكفّار وما يعبدون من الأصنام حطب لجهنّم . . . وأنّ النّار لا تكون على الأصنام عذابا ولا عقوبة ، لأنّها لم تذنب ، ولكن تكون عذابا على من عبدها أوّل شيء بالحسرة ، ثم تجمع على النّار فتكون نارها أشدّ من كلّ نار ، ثم يعذّبون بها . وقيل : تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم .
وقيل : إنّما جعلت في النّار تبكيتا لعبادتهم » .
وقال أبو حيّان : « وجمع الكفّار مع معبوداتهم في النّار لزيادة غمّهم وحسرتهم برؤيتهم معهم فيها ؛ إذ عذّبوا بسببهم ، وكانوا يرجون الخير بعبادتهم ، فحصل لهم الشّرّ من قبلهم ، ولأنّهم صاروا لهم أعداء ، ورؤية العدوّ ممّا يزيد في العذاب » .
ثانيا : جاء ( حاصبا ) كعامل من عوامل العذاب خبرا عن الماضي في ( 2 و 3 ) ووعيدا للمستقبل في ( 4 و 5 ) وفيها بحوث :
1 - قال أغلب المفسّرين : الحاصب : الحجارة ، والمرسل عليهم - على هذا القول - قوم لوط ، لأنّهم أهلكوا بها ، كقوله تعالى :
وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ
هود : 82 . وقال بعضهم : الحاصب :
الرّيح ، والمرسل عليهم - على هذا القول - عاد ، لأنّهم أهلكوا بها ، كقوله تعالى :
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
الذّاريات : 41 .
والقولان متقاربان في اللّغة ؛ إذ الحاصب : الرّيح ذات الحصب ، أي الحجارة والحصر ، كما تقدّم ، فاللّه تعالى وجّه الرّيح المحمّلة بالتّراب والحجارة نحوهم ، وبعثها عليهم فدمرّتهم تدميرا ، وهذا ما يفيده معنى الارسال ، كما سيأتي في « ر س ل » .
ولكنّهما متباعدان في الاستعمال القرآنيّ كما رأيت ، لأنّ عامل العذاب يدلّ على المعذّب ، فنظر الفريق الأوّل إلى سياق القرآن ، وهم كبار المفسّرين ، كابن عبّاس ، وقتادة ، والسّدّيّ ، وابن جريج ، والطّبريّ ، وغيرهم ، ونظر الفريق الثّاني إلى أصل اللّغة ، وهم كبار اللّغويّين ، كأبي عبيدة ، وابن قتيبة والزّمخشريّ وغيرهم .
2 - الحاصب في ( 2 ) جاء لإحدى الأمم السّابقة المذكورة قبله في سورة العنكبوت : وهم قوم نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وصالح وهود وفرعون ، ذكرهم