المسألة الرّابعة : قال أهل الإشارات : هذه الآية تدلّ على أنّ رحمة اللّه تعالى غالبة على غضبه ، بدليل أنّه لمّا حكى عنهم الإحسان أعاده مرّتين ، فقال :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
ولمّا حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرّة واحدة ، فقال :
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
ولولا أنّ جانب الرّحمة غالب وإلّا لما كان كذلك .
( 20 : 158 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 15 : 10 )
ابن عربيّ : ( ان أحسنتم ) بتحصيل الكمالات الخلقيّة ، والآراء العقليّة ،
أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
وَإِنْ أَسَأْتُمْ
باكتساب الرّذائل والهيئات البدنيّة ( فلها ) .
( 1 : 708 )
القرطبيّ : [ نحو الطّبريّ وأضاف : ] ثمّ يحتمل أن يكون هذا خطابا لبني إسرائيل في أوّل الأمر ، أي أسأتم فحلّ بكم القتل والسّبي والتّخريب ، ثمّ أحسنتم فعاد إليكم الملك والعلوّ وانتظام الحال . ويحتمل أنّه خوطب بهذا بنو إسرائيل في زمن محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي عرفتم استحقاق أسلافكم للعقوبة على العصيان ، فارتقبوا مثله ، أو يكون خطابا لمشركي قريش على هذا الوجه . ( 10 : 217 )
البيضاويّ :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ . . .
لأنّ ثوابه لها ،
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
فإنّ وبالها عليها ، وإنّما ذكرها باللّام ازدواجا . ( 1 : 578 )
نحوه الكاشانيّ ( 3 : 178 ) ، وشبّر ( 4 : 8 ) .
النّسفيّ : قيل : اللّام بمعنى « على » كقوله :
وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
البقرة : 286 .
والصّحيح أنّها على بابها ، لأنّ اللّام للاختصاص والعامل مختصّ بجزاء عمله ، حسنة كانت أو سيّئة . [ ثمّ ذكر مثل الزّمخشريّ ] . ( 2 : 307 )
أبو حيّان : [ مثل الزّمخشريّ وأضاف : ]
وجواب ( وان اساتم ) قوله : ( فلها ) على حذف مبتدإ محذوف ، و ( لها ) خبره ، تقديره : فالإساءة لها . قال الكرمانيّ : جاء ( فلها ) باللّام ازدواجا ، انتهى . يعني قابل قوله : ( لأنفسكم ) بقوله : ( فلها ) . ( 6 : 10 )
أبو السّعود :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ
أعمالكم سواء كانت لازمة لأنفسكم أو متعدّية إلى الغير ، أي عملتموها على الوجه اللّائق ، ولا يتصوّر ذلك إلّا بعد أن تكون الأعمال حسنة في أنفسها ، أو إن فعلتم الإحسان
أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
لأنّ ثوابها لها . ( وان اساتم ) أعمالكم بأن عملتموها لا على الوجه اللّائق ويلزمه السّوء الذّاتيّ ، أو فعلتم الإساءة ( فلها ) إذ عليها وبالها ، وعن عليّ كرم اللّه وجهه : [ وذكر الحديث ] ( 4 : 112 )
البروسويّ : [ نحو النّسفيّ وأضاف : ]
قال سعدي المفتي : الأولى أن تكون [ اللّام ] للاستحقاق ، كما في قوله : « لهم عذاب في الدنيا . » قال في تفسير النّيسابوريّ : قال أهل الإشارة : إنّه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلّا مرّة ، ففيه دليل على أنّ جانب الرّحمة أغلب . ويجوز أن يترك تكريره استهجانا .
( 5 : 133 )
الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود ونقل قولي الطّبريّ والزّمخشريّ ثم قال : ] وتعقّب بأنّه مخالف لما في الآثار من تعدّي ضرر الإساءة إلى غير المذنب ، اللّهمّ إلّا أن يقال :
إنّ ضرر هؤلاء القوم من بني إسرائيل لم يتعدّهم . وفيه :