والمعنى إن أسأتم فإليها ، كما يقال : أحسن إلى نفسه ، ليقابل : أساء إلى نفسه ، على أنّ حروف الصّفات يقوم بعضها مقام بعض إذا تقاربت معانيها ، قال تعالى :
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
الزّلزال : 5 ، والمعنى أوحى إليها . ومعنى « أنت في منتهى الإساءة » ، و « أنت المختصّ بالإساءة » متقارب . ( 6 : 451 )
القشيريّ : إن أحسنتم فثوابكم كسبتم ، وإن أسأتم فعداءكم جلبتم ، والحقّ أعزّ من أن يعود إليه من أفعال عباده زين أو يلحقه شين . ( 4 : 9 )
البغويّ : [ مثل الثّعلبيّ وأضاف : ]
وقيل : فلها الجزاء والعقاب . ( 3 : 122 )
الزّمخشريّ : أي الإحسان والإساءة كلاهما مختصّ بأنفسكم لا يتعدّى النّفع والضّرر إلى غيركم .
وعن عليّ رضى اللّه عنه : « ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه » وتلاها . ( 2 : 439 )
نحوه ابن الجوزيّ . ( 5 : 10 )
ابن عطيّة : والمعنى أنّكم بعملكم تؤخذون لا يكون ذلك ظلما ولا تسرّعا إليكم . ( 3 : 440 )
الطّبرسيّ : [ مثل الطّوسيّ وأضاف : ]
وقيل : إنّ قوله : ( فلها ) بمعنى « فعليها » كقوله تعالى :
لَهُمُ اللَّعْنَةُ
الرّعد : 25 ، أي عليهم اللّعنة ، وقيل :
معناه : فلها الجزاء والعقاب . وإذا أمكن حمل الكلام على الظّاهر ، فالأولى أن لا يعدل عنه . وهذا الخطاب لبني إسرائيل ، ليكون الكلام جاريا على النّسق والنّظام .
ويجوز أن يكون خطابا لأمّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ، فيكون اعتراضا بين القصّة ، كما يفعل الخطيب والواعظ يحكي شيئا ثمّ يعظ ثمّ يعود إلى الحكاية ، فكأنّه - لمّا بيّن أنّ بني إسرائيل لمّا علوا وبغوا في الأرض سلّط عليهم قوما ، ثمّ لمّا تابوا قبل توبتهم وأظفرهم على عدوّهم - خاطب أمّتنا بأنّ من أحسن عاد نفع إحسانه إليه ، ومن أساء عاد ضرره إليه ، ترغيبا وترهيبا . ( 3 : 399 )
الفخر الرّازيّ : وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنّه تعالى حكى عنهم لمّا عصوا سلّط عليهم أقواما قصدوهم بالقتل والنّهب والسّبي ولمّا تابوا أزال عنهم تلك المحنة وأعاد عليهم الدّولة ، فعند ذلك ظهر أنّهم إن أطاعوا فقد أحسنوا إلى أنفسهم ، وإن أصرّوا على المعصية فقد أساءوا إلى أنفسهم ، وقد تقرّر في العقول أنّ الإحسان إلى النّفس حسن مطلوب ، وأنّ الإساءة إليها قبيحة ، فلهذا المعنى قال تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ . . . .
المسألة الثّانية : قال الواحديّ : لا بدّ هاهنا من إضمار ، والتّقدير : وقلنا : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، والمعنى : إن أحسنتم بفعل الطّاعات فقد أحسنتم إلى أنفسكم ، من حيث إنّ ببركة تلك الطّاعات يفتح اللّه عليكم أبواب الخيرات والبركات ، وإن أسأتم بفعل المحرّمات أسأتم إلى أنفسكم ، من حيث إنّ بشؤم تلك المعاصي يفتح اللّه عليكم أبواب العقوبات .
المسألة الثّالثة : قال النّحويّون : إنّما قال :
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
للتّقابل ، والمعنى : فإليها أو فعليها ، مع أنّ حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض ، كقوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
الزّلزال : 4 ، 5 ، أي إليها .