بل لأجل أنّه يجري مجرى التّفسير لقولنا : إنّه استفهام على سبيل الإنكار .
وممّا يدلّ دلالة ظاهرة على أنّ المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى اللّه تعالى ، قوله تعالى بعد هذه الآية :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
يعني ليس لك إلّا الرّسالة والتّبليغ ، وقد فعلت ذلك وما قصّرت
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرّسالة وتبليغ الوحي ، فأمّا حصول الهداية فليس إليك بل إلى اللّه ، ونظيره قوله تعالى :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
آل عمران : 128 ، وقوله :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
القصص : 56 ، فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية ، واللّه أعلم بأسرار كلامه . ( 10 : 190 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 5 : 88 )
القرطبيّ : حسنة : أي إن يصب المنافقين خصب قالوا : هذا من عند اللّه ،
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
أي جدب ومحل قالوا : هذا من عندك ، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك .
وقيل : الحسنة : السّلامة والأمن ، والسّيّئة :
الأمراض والخوف .
وقيل : الحسنة : الغنى ، والسّيّئة : الفقر .
وقيل : الحسنة : النّعمة والفتح والغنيمة يوم بدر ، والسّيّئة : البليّة والشّدّة والقتل يوم أحد .
وقيل : الحسنة : السّرّاء ، والسّيّئة : الضّرّاء .
هذه أقوال المفسّرين وعلماء التّأويل - ابن عبّاس وغيره - في الآية . وأنّها نزلت في اليهود والمنافقين ، وذلك أنّهم لمّا قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة عليهم قالوا :
ما زلنا نعرف النّقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرّجل وأصحابه . ( 5 : 284 )
نحوه الخازن . ( 1 : 468 )
أبو حيّان : الخطاب عامّ كأنّه قيل : ما أصابك يا إنسان ، وقيل : للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد غيره .
وقال ابن بحر : هو خطاب للفريق في قوله :
إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ
النّساء : 77 ، قال : ولمّا كان لفظ الفريق مفردا صحّ أن يخبر عنه بلفظ الواحد تارة وبلفظ الجمع تارة ، وعليه قوله :
تفرّق أهلا نابثين فمنهم * فريق أقام واستقلّ فريق
هذا مقتضى اللّفظ وأمّا المعنى : فالنّاس خاصّتهم وعامّتهم مراد بقوله :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ .
وقال ابن عبّاس وقتادة والحسن وابن زيد والرّبيع وأبو صالح : معنى الآية أنّه أخبر تعالى على سبيل الاستئناف والقطع أنّ الحسنة منه بفضله والسّيّئة من الإنسان بذنوبه ومن اللّه بالخلق والاختراع .
وفي مصحف ابن مسعود ( فمن نفسك وإنّما قضيتها عليك ) وقرأ بها ابن عبّاس . وحكى أبو عمرو أنّها في مصحف ابن مسعود ( وأنا كتبتها ) وروي أنّ ابن مسعود وأبيّا قرآ ( وانا قدّرتها عليك ) ويؤيّد هذا التّأويل أحاديث عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم معناها أنّ ما يصيب الإنسان من المصائب فإنّما هو عقوبة ذنوبه .
وقالت طائفة : معنى الآية هو على قول محذوف ، تقديره ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ، يقولون : ما أصابك من حسنة . . . الآية ، والابتداء بقوله :