بالمعاصي ، وهو لا ينافي قوله :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
فإنّ الكلّ منه إيجادا وإيصالا ، غير أنّ الحسنة إحسان وامتحان ، والسّيّئة مجازاة وانتقام . قال اللّه تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
الشّورى : 30 . ( 1 : 437 )
نحوه شبّر . ( 2 : 72 )
الشّوكانيّ : هذا الخطاب إمّا لكلّ من يصلح له من النّاس أو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تعريضا لأمّته ، أي ما أصابك من خصب ورخاء وصحّة وسلامة فمن اللّه بفضله ورحمته ، وما أصابك من جهد وبلاء وشدّة فمن نفسك بذنب أتيته ، فعوقبت عليه .
وقيل : إنّ هذا من كلام الّذين لا يفقهون حديثا ، أي فيقولون : ما أصابك من حسنة فمن اللّه .
وقيل : إنّ ألف الاستفهام مضمرة ، أي أفمن نفسك ؟
ومثله قوله تعالى :
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ
الشّعراء : 22 ، والمعنى : أو تلك نعمة ؟ ومثله قوله :
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي
الأنعام : 77 ، أي أهذا ربّي ؟
وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية ، كقوله تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
الشّورى : 30 ، وقوله :
أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
آل عمران : 165 . ( 1 : 624 )
الآلوسيّ : قوله سبحانه :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
وعلى ما ذكرنا - ولعلّه الأولى - يكون هذا بيانا للجواب المجمل المأمور به ، والخطاب فيه - كما قال الجبّائيّ . وروي عن قتادة - عامّ لكلّ من يقف عليه لا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، كقوله :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا
ويدخل فيه المذكورون دخولا أوّليّا ، وفي إجراء الجواب أوّلا على لسان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسوق البيان من جهته تعالى ثانيا بطريق تلوين الخطاب ، والالتفات إيذان بمزيد الاعتناء به والاهتمام بردّ اعتقادهم الباطل وبزعمهم الفاسد ، والإشعار بأنّ مضمونه مبنيّ على حكمة دقيقة حريّة بأن يتولّى بيانها علّام الغيوب عزّ وجلّ ، والعدول عن خطاب الجميع ، كما في قوله تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
الشّورى : 30 ، للمبالغة في التّحقيق بقطع احتمال سببيّة بعضهم لعقوبة الآخرين ، و ( ما ) كما قال أبو البقاء :
شرطيّة ، و ( أصاب ) بمعنى ( يصيب ) .
والمراد : بالحسنة والسّيّئة هنا ما أريد بهما من قبل ، أي ما أصابك أيّها الإنسان من نعمة من النّعم فهي من اللّه تعالى بالذّات . [ وادام مثل أبي السعود إلى آخر حديث النّبيّ عليه السّلام ، ثمّ قال : ]
وما أصابك من بليّة مّا من البلايا فهي بسبب اقتراف نفسك المعاصي والهفوات المقتضية لها ، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى ، نازلة من عنده عقوبة ، وهذا كقوله تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
وأخرج التّرمذيّ عن أبي موسى قال : « قال رسول اللّه : لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها ، أو ما دونها إلّا بذنب وما يعفو اللّه