أحدهما : يعني سرعة الحكم بين العباد لتعجيل الفصل ، وعبّر عن الحكم بالحساب من تحقيق المستوفي بهما من قليل وكثير .
والثّاني : وهو الظّاهر أنّه أراد سرعة محاسبة العباد على أعمالهم .
ويحتمل مراده بسرعة حسابه وجهين :
أحدهما : إظهار قدرته بتعجيل ما يعجز عنه غيره .
والثّاني : أنّه يبيّن به تعجيل ما يستحقّ عليه من ثواب ، وتعجيل ما يستحقّ على غيره من عقاب ، جمعا بين إنصافه وانتصافه . ( 2 : 125 )
الطّوسيّ : روي أنّه تعالى يحاسب عباده على مقدار حلب شاة ؛ وذلك يدلّ على أنّه لا يحتاج أن يكلّفهم مشقّة وآلة على ما يقوله المشبّهة ، لأنّه لو كان كذلك لاحتاج أن يتطاول زمان محاسبته ، أو أنّه يشغله محاسبته عن محاسبة غيره . وروي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قيل له : كيف يحاسب اللّه الخلق وهم لا يرونه ؟ قال :
كما يرزقهم ولا يرونه .
والمعنى في الآية أنّه تعالى أحصى الحاسبين لما أحصى الملائكة وتوفّوا من الأنفس ، لا يخفى عليه من ذلك خافية ، ولا يحتاج في عدّه إلى فكر ونظر .
( 4 : 172 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 2 : 313 )
البغويّ : أي إذا حاسب فحسابه سريع ، لأنّه لا يحتاج إلى فكرة ورويّة وعقديد . ( 2 : 130 )
نحوه القرطبيّ ( 7 : 7 ) ، والخازن ( 2 : 118 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 426 ) .
الميبديّ : [ نحو البغويّ وأضاف : ]
وحسابه أسرع من لمح البصر . ( 3 : 382 )
الزّمخشريّ : لا يشغله حساب عن حساب .
( 2 : 25 )
ابن عطيّة : متوجّه على أنّ اللّه عزّ وجلّ حسابه لعبيده صادر عن علمه بهم ، فلا يحتاج في ذلك إلى إعداد ، ولا تكلّف سبحانه لا ربّ غيره . ( 2 : 301 )
الفخر الرّازيّ : احتجّ الجبّائيّ بهذه الآية على حدوث كلام اللّه تعالى ، قال : لو كان كلامه قديما لوجب أن يكون متكلّما بالمحاسبة الآن ، وقبل خلقه . وذلك محال ، لأنّ المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدّم ، وأصحابنا عارضوه بالعلم ، فإنّه تعالى كان قبل الخلق عالما بأنّه سيوجد ، وبعد وجوده صار عالما بأنّه قبل ذلك وجد ، فلم يلزم منه تغيّر العلم ، فلم لا يجوز مثله في الكلام ؟
واللّه أعلم .
اختلفوا في كيفيّة هذا الحساب ، فمنهم من قال : إنّه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة ، لا يشغله كلام عن كلام ، ومنهم من قال : بل يأمر الملائكة حتّى أن كلّ واحد من الملائكة يحاسب واحدا من العباد ، لأنّه تعالى لو حاسب الكفّار بنفسه لتكلّم معهم ، وذلك باطل ، لقوله تعالى في صفة الكفّار : ( ولا يكلّمهم ) وأمّا الحكماء فلهم كلام في تفسير هذا الحساب ، وهو أنّه إنّما يتخلّص بتقديم مقدّمتين :
فالمقدّمة الأولى : أنّ كثرة الأفعال وتكرّرها توجب حدوث الملكات الرّاسخة القويّة الثّابتة ، والاستقراء التّامّ يكشف عن صحّة ما ذكرناه . ألا ترى أنّ كلّ من
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 784
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٧٨٤