ابن العربيّ : فيها خمس مسائل :
المسألة الأولى : في سبب نزولها . [ وذكر اختلاف المفسّرين في ذلك ]
المسألة الثّانية : أمّا من روى أنّ الآية نزلت في الموهوبة فهو ضعيف في السّند ، وضعيف في المعنى . أمّا ضعفه في السّند فلعدم عدالة رواته ، وأمّا ضعفه في معناه فلأنّ ردّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للموهوبة ليس تحريما لها ، لأنّ من ردّ ما وهب له لم يحرم عليه ، وإنّما حقيقة التّحريم بعد التّحليل .
وأمّا من روى أنّه حرّم مارية فهو أمثل في السّند ، وأقرب إلى المعنى ، لكنّه لم يدوّن في صحيح ، ولا عدّل ناقله ، أما أنّه روي مرسلا .
وقد روى ابن وهب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، قال : حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمّ ولده إبراهيم ، فقال : أنت عليّ حرام ؛ واللّه لا أتيتك . فأنزل اللّه في ذلك :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ
[ إلى أن قال : ]
وإنّما الصّحيح أنّه كان في العسل ، وأنّه شربه عند زينب ، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه ، وجرى ما جرى ، فحلف ألّا يشربه ، وأسرّ ذلك ، ونزلت الآية في الجميع .
المسألة الثّالثة : قوله :
لِمَ تُحَرِّمُ
إن كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم ولم يحلف ، فليس ذلك بيمين عندنا في معنى ، ولا يحرم شيئا قول الرّجل : هذا حرام عليّ ، حاشا الزّوجة .
وقال أبو حنيفة : إذا أطلق حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس ، وكانت يمينا ، توجب الكفّارة .
وقال زفر : هو يمين في الكلّ ، حتّى في الحركة والسّكون . وعوّل المخالف على أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم العسل ، فلزمته الكفّارة .
وقد قال اللّه تعالى فيه :
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ
التّحريم : 2 ، فسمّاه يمينا ؛ وعوّل أيضا على أنّ معنى اليمين التّحريم ، فإذا وجد ملفوظا به تضمّن معناه كالملك في البيع .
ودليلنا قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
المائدة : 87 ، وقوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
يونس : 59 ، فذمّ اللّه المحرّم للحلال ، ولم يوجب عليه كفّارة . وقد بيّنّا ذلك عند ذكر هذه الآيات ، وهذا ينقض مذهب المخالفين : زفر ، وأبي حنيفة ، وينقض مذهب أبي حنيفة إخراجه اللّباس منه ، ولا جواب له عنه ، وخفي عن القوم سبب الآية ، وأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حلف ألّا يشرب عسلا ، وكان ذلك سبب الكفّارة ؛ وقيل له : ( لم تحرّم ) .
وقولهم : إنّ معنى النّهي تحريم الحلال فكان كالمال في البيع لا يصحّ ، بل التّحريم معنى يركّب على لفظ اليمين ، فإذا لم يوجد اللّفظ لم يوجد المعنى ، بخلاف الملك فإنّه لم يركّب على لفظ البيع ، بل هو في معنى لفظه ، وقد استوعبنا القول في كتاب : « تلخيص التّلخيص ، والإنصاف في مسائل الخلاف » . ( 4 : 1844 )
الطّبرسيّ :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ
ناداه سبحانه بهذا النّداء تشريفا له وتعليما لعباده ، كيف يخاطبونه في