قلت : أكثر المفسّرين على أنّ الآية نزلت في حفصة لمّا خلا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في بيتها بجاريته ، ذكره الثّعلبيّ . وعلى هذا فكأنّه قال : لا يحرم عليك ما حرّمته على نفسك ، ولكن عليك كفّارة يمين ، وإن كان في تحريم العسل والجارية أيضا . فكأنّه قال : لم يحرم عليك ما حرّمته ، ولكن ضممت إلى التّحريم يمينا فكفّر عن اليمين . وهذا صحيح ، فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم ثمّ حلف ، كما ذكره الدّارقطنيّ .
وذكر البخاريّ معناه في قصّة العسل عن عبيد ابن عمير عن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشرب عند زينب بنت جحش عسلا ويمكث عندها ، فتواطأت أنا وحفصة على أيّتنا دخل عليها فلتقل : أكلت مغافير ؟
إنّي لأجد منك ريح مغافير ! قال : « لا ولكن شربت عسلا ولن أعود له وقد حلفت ، لا تخبري بذلك أحدا » . يبتغي مرضات أزواجه . فيعني بقوله : « ولن أعود له » على جهة التّحريم . وبقوله : « حلفت » أي باللّه ، بدليل أنّ اللّه تعالى أنزل عليه عند ذلك معاتبته على ذلك ، وحوالته على كفّارة اليمين بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
يعنى العسل المحرّم بقوله : « لن أعود له » .
( 18 : 175 )
النّيسابوريّ : [ نقل الأقوال في شأن نزول الآية ثمّ قال : ]
قال جمع من العلماء : لم يثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تحريم حلال ، بأن يقول : هو عليّ حرام ، ولكنّه كان يمينا ، كقوله : واللّه لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم ، فقيل له : لم تحرّم ؟ أي لم تمتنع بسبب اليمين ، يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفّر عن يمينك . ( 28 : 79 )
الخازن : [ نقل الأقوال ثمّ قال : ]
وأمّا التّفسير ، فقوله :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
أي من العسل أو ملك اليمين ، على اختلاف الرّواية فيه . وهذا التّحريم تحريم امتنع عن الانتفاع بها أو بالعسل ، لا تحريم اعتقاد بكونه حراما ، بعد ما أحلّه اللّه . فالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم امتنع عن الانتفاع بذلك ، مع اعتقاده أنّ ذلك حلال
تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ
أي تطلب رضاهنّ بترك ما أحلّ اللّه لك . ( 7 : 97 )
أبو حيّان : معنى
تُحَرِّمُ
تمنع ، وليس التّحريم المشروع بوحي من اللّه ، وإنّما امتناع لتطييب خاطر بعض من يحسن معه العشرة
ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ،
هو مباشرة مارية جاريته . [ ثمّ نقل الأقوال ] ( 8 : 289 )
نحوه مغنيّة . ( 7 : 362 )
البروسويّ : [ نقل الأقوال ثمّ قال : ]
ومعنى الآية
لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
من ملك اليمين أو من العسل ، أي تمتنع من الانتفاع به مع اعتقاد كونه حلالا لك ، لأنّ اعتقاد كونه حراما بعد ما أحلّ اللّه ممّا لا يتصوّر من عوامّ المؤمنين ، فكيف من الأنبياء !
قال الفقهاء : من اعتقد من عند نفسه حرمة شيء قد أحلّه اللّه فقد كفر ؛ إذ ما أحلّه اللّه لا يحرّم إلّا بتحريم اللّه إيّاه بنظم القرآن أو بوحي غير متلوّ ، واللّه تعالى إنّما أحلّ لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله ، فإذا حرّم العبد كان ذلك قلب المصلحة مفسدة . ( 10 : 49 )
الآلوسيّ : [ نقل الأقوال ثمّ قال : ]