حرّمت على كلّ رجل منكم أمّه وبنته ؛ إذ لا معنى لتحريم المجموع على المجموع ، ولا لتحريم كلّ أمّ وبنت لكلّ رجل مثلا على كلّ رجل لأوّله إلى تحريم أصل النّكاح ، فمآل الآية إلى أنّ كلّ رجل يحرم عليه نكاح أمّه وبنته وأخته إلخ . ( 4 : 263 )
مكارم الشّيرازيّ : تحريم الزّواج بالمحارم .
في هذه الآية أشار سبحانه إلى النّساء اللّاتي يحرم نكاحهنّ والزّواج بهنّ ، ويمكن أن تنشأ هذه الحرمة من ثلاث طرق أو أسباب ، وهي :
1 - الولادة الّتي يعبّر عنها بالارتباط النّسبيّ .
2 - الزّواج الّذي يعبّر عنه بالارتباط السّببيّ .
3 - الرّضاع الّذي يعبّر عنه بالارتباط الرّضاعيّ .
وقد أشار في البداية إلى النّساء المحرّمات بواسطة النّسب ، وهنّ سبع طوائف إذ يقول :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ .
ويجب التّنبيه إلى أنّ المراد من « الأمّ » ليس هي الّتي يتولّد منها الإنسان دونما واسطة فقط بل يشمل الجدّة من ناحية الأب ومن ناحية الأمّ وإن علون ، كما أنّ المراد من البنت ليس هو البنت بلا واسطة بل تشمل بنت البنت وبنت الابن وأولادهما وإن نزلن ، وهكذا الحال في الطّوائف الخمس الأخرى .
ومن الواضح جدّا أنّ الإنسان يبغض النّكاح والزّواج بهذه الطّوائف من النّسوة ، ولهذا تحرّمه جميع الشّعوب والجماعات إلّا من شذّ وهو قليل ، وحتّى المجوس الّذين كانوا يجوّزون هذا النّوع من النّكاح في مصادرهم الأصليّة ينكرونه ويشجبونه اليوم ، وإن حاول البعض أن يردّ هذه المبغوضيّة إلى العادة والتّقليد القديم . ولكن عموميّة هذا القانون وشيوعه لدى جميع أفراد البشر وطوائفه ، وفي جميع القرون والأعصار تحكي - عادة - عن فطريّة هذا القانون ، لأنّ التّقليد والعادة لا يمكن أن يكون أمرا عامّا ودائميّا .
هذا مضافا إلى أنّ هناك حقيقة ثابتة اليوم ، وهي أنّ الزّواج بين الأشخاص ذوي الفئة المشابهة من الدّم ينطوي على أخطار كثيرة ، ويؤدّي إلى انبعاث أمراض خفيّة وموروثة ، وتشدّدها وتجدّدها ، لأنّ هذا النّوع من الزّواج يولّد هذه الأمراض بل يساعدها على التّشدّد والتّجدّد والانتقال ، إلى درجة أنّ البعض لا يستحسن حتّى الزّواج بالأقرباء البعيدين فضلا عن المحارم المذكورة هنا ، مثل الزّواج الواقع بين أبناء وبنات العمومة ، ويرون أنّه يؤدّي هو الآخر أيضا إلى أخطار تصاعد الأمراض الوراثيّة .
إلّا أنّ هذا النّوع من الزّواج إذا لم يسبّب أيّة مشكلة لدى الأقرباء البعيدين - كما هو الغالب - فإنّه لا شكّ يسبّب مضاعفات خطيرة لدى الأقرباء القريبين الّذين تشتدّ عندهم ظاهرة وحدة الدّم وتشابهه .
هذا مضافا إلى أنّه تضعف الرّغبة الجنسيّة والتّجاذب الجنسيّ لدى المحارم عادة ، لأنّ المحارم في الأغلب يكبرون معا ، ويشبّون معا ، ولهذا لا ينطوي الزّواج فيما بينهم على عنصر المفاجأة وصفة العلاقة الجديدة ، لأنّهم تعوّدوا على التّعامل فيما بينهم ، فلا يكون أحدهم جديدا على الآخر ، بل العلاقة لديهم علاقة