ذكرا أو أنثى أو حملا لها ، فيه أنّ الإنكار عليهم في جعلهم إيّاها كذلك ، كما هو صريح آية المائدة ، فهو جهل لا يعقل أن يكون علّة للتّحريم ، فالحرام منه مثل الحلال ، وما ذكر في التّفصيل في الإنكار يذكّر المفكّر المستقلّ ، بأنّ ما قالوه عين الجهل ، وهو ما انفردنا ببيانه آنفا . ( 8 : 141 )
سيّد قطب : هذه الأنعام الّتي يدور حولها الجدل ، والّتي ذكر في الآية السّابقة أنّ اللّه خلقها لهم ، هي ثمانية أزواج - وكلّ من الذّكر والأنثى يطلق عليه لفظ زوج عندما يكون مع رفيقه - زوج من الضّأن وزوج من المعز ، فأيّ منها حرّمه اللّه على أيّ من النّاس ؟ أم إنّه حرّم أجنّتها في البطون ؟
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .
فهذه الشّؤون لا يفتى فيها بالظّنّ ، ولا يقضى فيها بالحدس ، ولا يشرّع فيها بغير سلطان معلوم .
وبقيّة الأزواج ذكر وأنثى من الإبل ، وذكر وأنثى من البقر ، فأيّها كذلك حرّم ؟ أم أجنّتها هي الّتي حرّمها اللّه على النّاس ؟ ومن أين هذا التّحريم ؟
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا ؟
فحضرتم وشهدتم وصيّة اللّه لكم خاصّة بهذا التّحريم ، فما ينبغي أن يكون هناك تحريم بغير أمر من اللّه مستيقن ، لا يرجع فيه إلى الرّجم والظّنون .
وبهذا يردّ أمر التّشريع كلّه إلى مصدر واحد ، وقد كانوا يزعمون أنّ اللّه هو الّذي شرّع هذا الّذي يشرّعونه . ( 3 : 1224 )
عبد الكريم الخطيب : إنكار على المشركين هذا الّذي شرّعوه من حلّ بعضها وحرمة بعضها ، كما ذكر اللّه سبحانه وتعالى عنهم ذلك في قوله :
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ
الأنعام : 138 ، وقوله سبحانه :
وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا
الأنعام : 139 ، فهذا هو حكم اللّه فيها الإباحة المطلقة .
فمن أين جاءهم هذا القول الّذي يقولونه فيها ؟
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
وإنّه لا علم عندهم ، ولكنّها أوهام وأباطيل . ( 4 : 329 )
مكارم الشّيرازيّ : وبعد ذكر هذه الأزواج الأربعة ، يأمر تعالى نبيّه فورا بأن يسألهم بصراحة : هل أنّ اللّه حرّم الذّكور منها أم الإناث :
قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ؟
أم أنّه حرّم عليهم ما في بطون الإناث من الأغنام أم ما في بطون الإناث من المعز ؟
أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ؟
ثمّ يضيف قائلا : إذا كنتم صادقين في أنّ اللّه حرّم شيئا ممّا تدّعونه ، وكان لديكم ما يدلّ على تحريم أيّ واحد من هذه الأنعام ، فهاتوا دليلكم على ذلك :
نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .
ثمّ في الآية اللّاحقة يبيّن الأزواج الأربعة الأخرى من الأنعام الّتي خلقها اللّه للبشر ؛ إذ يقول : وخلق من الإبل ذكرا وأنثى ، ومن البقر ذكرا وأنثى ، فأيّ واحد من هذه الأزواج حرّم اللّه عليكم : الذّكور منها أم الإناث ؟ أم ما في بطون الإناث من الإبل والبقر :
وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ . . . ؟
وحيث إنّ الحكم بتحليل هذه الأنعام وتحريمها إنّما هو بيد اللّه خالقها ، وخالق البشر وخالق العالم كلّه ، ومن