التّحريف عن ما يراد بها ، ولم تستقرّ في مواضعها ، فيكون التّحريف بعد استقرارها ، بل بادروا إلى تحريفها بأوّل وهلة .
وحيث وصفوا ببعض لين وترديد وتحكيم للرّسول في بعض الأمر جاء
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
ألا ترى إلى قوله :
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا
المائدة : 41 ، وقوله بعد :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
فكأنّهم لم يبادروا بالتّحريف بل عرض لهم التّحريف بعد استقرار ( الكلم ) في مواضعها .
وقد يقال : إنّهما سيّان لكنّه حذف هنا وفي أوّل المائدة
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
لأنّ قوله :
عَنْ مَواضِعِهِ
يدلّ على استقرار مواضع له ، وحذف في ثاني المائدة
عَنْ مَواضِعِهِ
لأنّ التّحريف
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
يدلّ على أنّه تحريف
عَنْ مَواضِعِهِ .
فالأصل يحرّفون الكلم من بعد مواضعه ، فحذف هنا البعديّة .
وهناك حذف عنها ، كلّ ذلك توسّع في العبارة ، وكانت البداءة هنا بقوله : ( عن مواضعه ) لأنّه أخصر ، وفيه تنصيص باللّفظ على ( عن ) وعلى « المواضع » وإشارة إلى البعديّة . ( 3 : 262 )
ابن كثير : أي يتأوّلونه على غير تأويله ، ويفسّرونه بغير مراد اللّه عزّ وجلّ ، قصدا منهم وافتراء .
( 2 : 306 )
نحوه الشّوكانيّ ( 1 : 606 ) ، والقاسميّ ( 5 : 1276 ) .
الشّربينيّ : أي ومن الّذين هادوا قوم يحرّفون ، أي يغيّرون الكلم الّذي أنزل في التّوراة ، من نعت محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم
عَنْ مَواضِعِهِ
الّتي وضع عليها ، بإزالته عنها وإثبات غيره فيها . وفي المائدة
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
والمعنيان متقاربان . ( 1 : 307 )
أبو السّعود : أي من الّذين هادوا قوم أو فريق يحرّفون ، إلخ . وفيه أنّه يقتضي كون الفريق السّابق بمعزل من التّحريف الّذي هو المصداق لاشترائهم في الحقيقة ، فالّذي يليق بشأن التّنزيل الجليل أنّه بيان للموصول الأوّل المتناول بحسب المفهوم لأهل الكتابين قد وسّط بينهما ما وسّط ، لمزيد الاعتناء ببيان محلّ التّشنيع والتّعجيب ، والمسارعة إلى تنفير المؤمنين منهم ، وتحذيرهم عن مخالطتهم ، والاهتمام بحملهم على الثّقة باللّه عزّ وجلّ ، والاكتفاء بولايته ونصرته .
وأنّ قوله تعالى :
يُحَرِّفُونَ
وما عطف عليه بيان لاشترائهم المذكور ، وتفصيل لفنون ضلالتهم ، وقد روعيت في النّظم الكريم طريقة التّفسير بعد الإبهام ، والتّفصيل إثر الإجمال روما لزيادة تقرير يقتضيه الحال .
[ إلى أن قال : ]
وقرئ ( يحرّفون الكلام ) والمراد به هاهنا : إمّا ما في التّوراة خاصّة ، وإمّا ما هو أعمّ منه وممّا سيحكى عنهم من الكلمات المعهودة الصّادرة عنهم ، في أثناء المحاورة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . . ( 2 : 143 )
الطّريحيّ : أي يحرّفون كلام اللّه من بعد مواضعه ، أي من بعد أن فرض فروضه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه ، يعني بذلك ما غيّروا من حكم اللّه تعالى في الزّنى ، ونقلوه من الرّجم إلى أربعين جلدة . كذا نقل عن جماعة من المفسّرين .