البصرة يتأوّل ذلك : وغدوا على منع . ويوجّهه إلى أنّه من قولهم : حاردت السّنة ، إذا لم يكن فيها مطر ، وحاردت النّاقة ، إذا لم يكن لها لبن . . .
وهذا قول لا نعلم له قائلا من متقدّمي العلم قاله ، وإن كان له وجه .
فإذا كان كذلك وكان غير جائز عندنا أن يتعدّى ما أجمعت عليه الحجّة ، فما صحّ من الأقوال في ذلك إلّا أحد الأقوال الّتي ذكرناها عن أهل العلم .
وإذا كان ذلك كذلك وكان المعروف من معنى « الحرد » في كلام العرب : القصد ، من قولهم : قد حرد فلان حرد فلان ؛ إذا قصد قصده .
صحّ أنّ الّذي هو أولى بتأويل الآية قول من قال :
معنى قوله : وغدوا على أمر قد قصدوه واعتمدوه واستسرّوه بينهم ، قادرين عليه في أنفسهم . [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] ( 29 : 31 )
الطّوسيّ : الحرد : القصد . حرد يحرد حردا فهو حارد . [ ثمّ استشهد بشعر وذكر الأقوال المتقدّمة ثمّ قال : ]
والأصل : القصد . ( 10 : 81 )
القشيريّ : أي قادرين عند أنفسهم ، ويقال : على غضب منهم على المساكين . ( 6 : 188 )
الزّمخشريّ : الحرد : من حاردت السّنة ، إذا منعت خيرها ، وحاردت الإبل ، إذا منعت درّها . والمعنى :
وغدوا قادرين على نكد لا غير ، عاجزين عن النّفع ، يعني أنّهم عزموا أن يتنكّدوا على المساكين ويحرمونهم وهم قادرون على نفعهم ، فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها إلّا على النّكد والحرمان ؛ وذلك أنّهم طلبوا حرمان المساكين فتعجّلوا الحرمان والمسكنة .
أو غدوا على محاردة جنّتهم وذهاب خيرها قادرين بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها ومنافعها ، أي غدوا حاصلين على الحرمان مكان الانتفاع .
أو لمّا قالوا : ( اغدوا على حرثكم ) وقد خبثت نيّتهم ، عاقبهم اللّه بأن حاردت جنّتهم وحرموا خيرها فلم يغدوا على حرث ، وإنّما غدوا على حرد .
و ( قادرين ) من عكس الكلام للتّهكّم ، أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين ، و
عَلى حَرْدٍ
ليس بصلة ( قادرين ) .
وقيل : الحرد بمعنى الحرد . وقرئ على ( حرد ) ، أي لم يقدروا إلّا على حنق وغضب بعضهم على بعض ، لقوله تعالى :
يَتَلاوَمُونَ
القلم : 30 .
وقيل : الحرد : القصد والسّرعة ، يقال : حردت حردك . [ ثمّ استشهد بشعر ]
وقطا حراد : سراع ، يعني وغدوا قاصدين إلى جنّتهم بسرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم ، يقولون :
نحن نقدر على صرامها وزيّ منفعتها عن المساكين .
وقيل : ( حرد ) علم للجنّة ، أي غدوا على تلك الجنّة قادرين على صرامها عند أنفسهم ، أو مقدّرين أن يتمّ لهم مرادهم من الصّرام والحرمان . ( 4 : 144 )
نحوه الفخر الرّازيّ ( 30 : 89 ) ، وملخّصا ، البيضاويّ ( 2 : 495 ) ، والنّيسابوريّ ( 29 : 23 ) ، والخازن ( 7 : 112 ) ، والشّربينيّ ( 4 : 360 ) ، وأبو السّعود ( 6 : 287 ) ، والبروسويّ ( 10 : 116 ) . ( 4 : 144 )
الطّبرسيّ : أي على قصد منع الفقراء . ( 5 : 337 )