واختلفوا في أنّهم لأيّ سبب اعتقدوا ذلك الحظر ، أمّا في حقّ الأعمى والأعرج والمريض فذكروا فيه وجوها :
أحدها : أنّهم كانوا لا يأكلون مع الأعمى ، لأنّه لا يبصر الطّعام الجيّد فلا يأخذه ، ولا مع الأعرج لأنّه لا يتمكّن من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين ، وكذا المريض لأنّه لا يتأتّى له أن يأكل كما يأكل الصّحيح . قال الفرّاء : فعلى هذا التّأويل تكون ( على ) بمعنى « في » يعني ليس عليكم في مؤاكلة هؤلاء حرج .
وثانيها : أنّ العميان والعرجان والمرضى تركوا مؤاكلة الأصحّاء ، أمّا الأعمى فقال : إنّي لا أرى شيئا فربّما آخذ الأجود وأترك الأردأ ، وأمّا الأعرج والمريض فخافا أن يفسدا الطّعام على الأصحّاء لأمور تعتري المرضى ، ولأجل أنّ الأصحّاء يتكرّهون منهم ، ولأجل أنّ المريض ربّما حمله الشّره على أن يتعلّق نظره وقلبه بلقمة الغير ؛ وذلك ممّا يكرهه ذلك الغير . فلهذه الأسباب احترزوا عن مؤاكلة الأصحّاء ، فاللّه تعالى أطلق لهم في ذلك .
وثالثها : روى الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب وعبيد اللّه بن عبد اللّه في هذه الآية : أنّ المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا زمناهم ، وكانوا يسلّمون إليهم مفاتيح أبوابهم ، ويقولون لهم : قد أحللنا لكم أن تأكلوا ممّا في بيوتنا ، فكانوا يتحرّجون من ذلك ، قالوا : لا ندخلها وهم غائبون ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم ، وهذا قول عائشة رضي اللّه عنها . فعلى هذا معنى الآية نفي الحرج عن الزّمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو .
ورابعها : نقل عن ابن عبّاس ومقاتل بن حيّان :
نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو ؛ وذلك أنّه خرج مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غازيا وخلّف ابن مالك بن زيد على أهله ، فلمّا رجع وجده مجهولا ، فسأله عن حاله ، فقال :
تحرّجت أن آكل من طعامك بغير إذنك .
وأمّا في حقّ سائر النّاس فذكروا وجهين :
الأوّل : كان المؤمنون يذهبون بالضّعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وقراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها ، فلمّا نزل قوله تعالى :
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً
أي بيعا ، فعند ذلك امتنع النّاس أن يأكل بعضهم من طعام بعض ، فنزلت هذه الآية .
الثّاني : قال قتادة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا . قال السّدّيّ :
كان الرّجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطّعام فيتحرّج ، لأنّه ليس ثمّ ربّ البيت ، فأنزل اللّه تعالى هذه الرّخصة . . . ( 24 : 35 )
القرطبيّ : اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على أقوال ثمانية ، أقربها : هل هي منسوخة أو ناسخة أو محكمة ، فهذه ثلاثة أقوال :
الأوّل : أنّها منسوخة من قوله تعالى :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ . . .
قاله عبد الرّحمان بن زيد ، قال : هذا شيء قد انقطع ، كانوا في أوّل الإسلام ليس على أبوابهم أغلاق ، وكانت السّتور مرخاة ، فربّما جاء الرّجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد ؛ فسوّغ اللّه عزّ وجلّ أن يأكل منه ، ثمّ صارت الأغلاق على البيوت ، فلا يحلّ