العقاب على مثل هذا الإفساد ، لهذه الحكمة ، وهي سدّ ذريعة هذه المفسدة ، ولكنّه حرّم مع ذلك كلّه المثلة ، وهي تشويه الأعضاء . ولا مفسدة أشدّ وأقبح من سلب الأمن على الأنفس والأعراض والأموال النّاطقة والصّامتة . فربّ عصبة من المفسدين تسلب الأمان والاطمئنان من أهل ولاية كبيرة . وربّ عصبة مفسدة تعاقب بهذه العقوبات المنصوصة في الآية فتطهّر الأرض من أمثالها زمنا طويلا .
والتّشديد في سدّ الذّرائع ركن من أركان السّياسة لا تزال جميع الدّول تحافظ عليه ، حتّى أنّ بعضهم يحكم الوهم فيه . ومن الأمر الإدّ ، ما اجترحته إنكلترة في مصر بهذا القصد ؛ إذ مرّ بقرية « دنشواي » منذ سنين قليلة أفراد من جند الإنكليز كانوا يصيدون الحمام عند بيدرها « 1 » فتخاصموا مع أصحاب الحمام وتضاربوا ، فعظم على الإنكليز تجرّؤ الفلّاح المصريّ ، على ضرب الجنديّ الإنكليزيّ ، فعقدوا المحكمة العرفيّة لمحاكمة أولئك الفلّاحين ، برئاسة بطرس باشا غالي ، فحكمت على بعض أولئك الفلّاحين بأن يصلّبوا ويعذّبوا بالضّرب بالسّياط ( الكرابج ) ذات العقد حتّى تتناثر لحومهم ، وأن يبقوا مصلوبين بعد موتهم مدّة طويلة ، وأن يكون ذلك على أعين أهليهم وأعين النّاس ، ونفّذ الحكم . وقد أنكر هذه القسوة واستفظعها النّاس حتّى بعض أحرار الإنكليز في بلادهم ، وشنّعوا عليها في الجرائد وفي مجلس النّوّاب . ومثل هذه الحادثة لا تعدّ من الخروج على ذي السّلطان ، ولا من الفساد في الأرض ، ولكن قصد الإنكليز بالقسوة فيها أن لا يتجرّأ أحد على مقاومة جنديّ إنكليزيّ وإن اعتدى .
فأين هذا من عدل الإسلام الّذي ساوى خليفته عمر بن الخطّاب بين ابن فاتح مصر وقائد جيشها وحاكمها العامّ عمرو بن العاص وبين غلام قبطيّ ؛ إذ تسابقا فسبق القبطيّ ابن الحاكم فصفعه هذا ، وقال :
أتسبقني وأنا ابن الأكرمين ؟ فلمّا رفع الأمر إلى عمر لم يرض إلّا أن يصفع القبطيّ ابن الفاتح الحاكم كما صفعه .
وقال لعمرو كلمته الذّهبيّة المشهورة : يا عمرو ! منذكم تعبّدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا ؟ ولكنّ المسلمين لمّا تركوا حكم الإسلام صاروا يطلبون من الإنكليز وممّن دون الإنكليز أن يعلّموهم العدل وقوانينه ! !
أمّا تفسير الآية فهو ما ترى :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ . . .
أي إنّ جزاء الّذين يفعلون ما ذكر محصور فيما يذكر بعده من العقوبات على سبيل التّرتيب والتّوزيع على جناياتهم ومفاسدهم ، لكلّ منها ما يليق بها من العقوبة .
والمحاربة « مفاعلة » من الحرب ، وهي ضدّ السّلم .
والسّلم : السّلام ، أي السّلامة من الأذى والضّرر والآفات ، والأمن على النّفس والمال . والأصل في معنى كلمة الحرب : التّعدّي وسلب المال . [ ثمّ نقل كلام بعض اللّغويّين وقال : ]
فأنت ترى أنّ الحرب والمحاربة ، ليس مرادفا للقتل والمقاتلة ، وإنّما الأصل فيها الاعتداء والسّلب وإزالة
هامش
( 1 ) دنشواي : قرية من المنوفيّة . والبيدر : محل دوس الحصيد واستخراج الحبّ منه ، ويسمّى جرنا .