وبالجملة الآيات السّابقة على هذه الآية خالية عن ذكر المؤمنين ذكرا يوجب انعطاف الذّهن إليه حينما يلقي ضميرا يمكن عوده إليهم ، وهذا هو التّفكيك المذكور ، وهو مع ذلك تفكيك ممنوع لإيجابه إبهاما في البيان ينافي بلاغته .
والحقّ أنّ الضّمير في قوله : ( ان تنزّل عليهم ) للمنافقين - كما تقدّمت الإشارة إليه - ولا بأس بأن يسمّى تنزيل سورة لبيان حالهم وذكر مثالبهم وتوبيخهم على نفاقهم ، تنزيلا للسّورة عليهم وهم في جماعة المؤمنين غير متميّزين منهم ، كما عبّر بنظير التّعبير في مورد المؤمنين ؛ حيث قال :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ
البقرة : 231 .
وقد أتى سبحانه بنظير هذا التّعبير في أهل الكتاب ؛ حيث قال :
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ
النّساء : 153 ، وفي المشركين حيث حكى عنهم قولهم :
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ
الإسراء : 93 ، وليست نسبة المنافقين - وهم في المؤمنين - إلى نزول القرآن عليهم بأبعد من نسبة المشركين وأهل الكتاب إلى نزوله عليهم ، والنّزول والإنزال والتّنزيل يقبل التّعدّي ب « إلى » بعناية الانتهاء ، وب « على » بعناية الاستعلاء والإتيان من العلوّ ، والتّعدية بكلّ واحد منهما كثير في تعبيرات القرآن . والمراد بنزول الكتاب إلى قوم وعلى قوم تعرّضه لشؤونهم وبيانه لما ينفعهم في دنياهم وأخراهم .
وقد يجاب عن الإشكال الثّالث : بأنّ قوله تعالى :
قُلِ اسْتَهْزِؤُا
دليل على أنّهم كانوا يستهزؤون بالحذر ، ولم يكن من جدّ الحذر في شيء .
وفيه أنّ الآيات الكثيرة النّازلة في سورة البقرة والنّساء وغيرها - وكلّ ذلك قبل هذه الآيات نزولا - المخرجة لكثير من خبايا قلوبهم الكاشفة عن أسرارهم ، تدلّ على أنّ هذا الحذر كان منهم على حقيقته ، من غير استهزاء وسخريّة .
على أنّه تعالى وصفهم في سورة « المنافقون » بمثل قوله :
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
المنافقون : 4 ، وقال في مثل ضربه لهم وفيهم :
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
البقرة : 19 ، وقد ذكر في الآية التّالية .
والحقّ أنّ استهزاءهم إنّما هو نفاقهم وقولهم في الظّاهر خلاف ما في باطنهم ، كما يؤيّده قوله تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
البقرة : 14 .
والجواب عن الإشكال الرّابع : أنّ الشّيء الّذي كانوا يحذرونه في الحقيقة هو ظهور نفاقهم ، وانكشاف ما في قلوبهم ، وإنّما كانوا يحذرون نزول السّورة لأجل ذلك ، فالمحذور الّذي ذكر في صدر الآية والّذي في ذيل الآية أمر واحد ، ومعنى قوله :
إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ
أنّه مظهر لما أخفيتموه من النّفاق ومنبئ لما في قلوبكم .
( 9 : 326 - 331 )
حسنين مخلوف : مظهر ما تخافونه من الفضيحة ، مأخوذ من الحذر - بالكسر ويحرّك - بمعنى التّحرّز ، وفعله كطرب . ( 325 )