وترتّب الثّواب والعقاب عليها - حاله من حيث الإطاعة والمعصية في التّكاليف الاجتماعيّة وترتّب المدح والذّمّ عليها . والعقلاء يأخذون في مدح المطيع والمحسن وذمّ العاصي والمسئ بمجرّد صدور الفعل عن فاعله ، غير أنّهم يرون ما يجازونه به من المدح والذّمّ قابلا للتّغيّر والتّحوّل ، لكونهم يرون الفاعل ممكن التّغيّر والزّوال عمّا هو عليه من الانقياد والتّمرّد . فلحوق المدح والذّمّ على فاعل الفعل فعليّ عندهم بتحقّق الفعل ، غير أنّه موقوف البقاء على عدم تحقّق ما ينافيه . وأمّا ثبوت المدح والذّمّ ولزومهما بحيث لا يبطلان قطّ ، فإنّما يكون إذا ثبت حاله بحيث لا يتغيّر قطّ بموت أو بطلان استعداد في الحياة .
ومن هنا يعلم : أنّ في جميع الأقوال السّابقة في المسائل المذكورة انحرافا من الحقّ ، لبنائهم البحث على غير ما ينبغي أن يبنى عليه .
وأنّ الحقّ أوّلا : أنّ الإنسان يلحقه الثّواب والعقاب من حيث الاستحقاق ، بمجرّد صدور الفعل الموجب له ، لكنّه قابل للتّحوّل والتّغيّر بعد ، وإنّما يثبت من غير زوال بالموت ، كما ذكرناه .
وثانيا : أنّ حبط الأعمال بكفر ونحوه نظير استحقاق الأجر ، يتحقّق عند صدور المعصية ويتحتّم عند الموت .
وثالثا : أنّ الحبط كما يتعلّق بالأعمال الأخرويّة كذلك يتعلّق بالأعمال الدّنيويّة .
ورابعا : أنّ التّحابط بين الأعمال باطل بخلاف التّكفير ونحوه . ( 2 : 167 )
مكارم الشّيرازيّ : 1 - الحبط : إبطال الأعمال ، كما ورد في قوله تعالى :
وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
هود : 16 .
2 - الإحباط هو - كما يقول علماء العقائد والمتكلّمون - إبطال ثواب الأعمال السّابقة على أثر ارتكاب ذنوب تالية .
3 - التّكفير : هو - كما قيل - إزالة عقوبة الذّنوب السّابقة على أثر القيام بأعمال صالحة .
هل الحبط صحيح ؟
لا اختلاف في أنّ الكفر والارتداد يؤدّي إلى « حبط » الأعمال ، والقرآن ذكر ذلك في مواضع عديدة ، وبناء على هذا تحبط كلّ أعمال الإنسان إن مات وهو كافر ، والدّليل على ذلك أنّ ذنب الكفر عظيم إلى درجة كبيرة ، تغطّي على كلّ الحسنات السّابقة .
وهكذا إذا آمن الإنسان بعد ذنوبه وبقي على إيمانه ، فإنّ ذنوبه السّابقة تنمحي ، فهذا أيضا لا خلاف فيه .
والاختلاف في المؤمنين الّذين أحسنوا في حياتهم وأساءوا ، ثمّ ماتوا ولم يتوبوا ، فهل أنّ أعمالهم السّيّئة تزيل ثواب أعمالهم الصّالحة أم لا ؟
بعضهم قال : إنّ الإحباط باطل ، واستدلّ لذلك بالعقل والنّقل .
فمن الاستدلال العقليّ على ذلك ما ذكره نصير الدّين الطّوسيّ في كتابه « تجريد الاعتقاد » يقول : إنّ الإحباط نوع من الظّلم ، فلو أنّ شخصا قلّت حسناته وكثرت ذنوبه ، فسيكون الإحباط بالنّسبة إليه أن يصبح شخصا لم يعمل حسنة قطّ ، وهذا ظلم بحقّه .
وأمّا الدّليل النّقليّ فتدعمه آيات عديدة من القرآن