تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 671

مساهمون:

ص٦٧١
لا عمل عباديّ ، ولا فعل قربيّ لهم كالكفّار والمنافقين ، كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ
محمّد : 7 ، 9 ، وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
آل عمران : 21 ، 22 ، إلى غير ذلك من الآيات . فمحصّل الآية كسائر آيات الحبط هو أنّ الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن أن يؤثّر في سعادة الحياة ، كما أنّ الإيمان يوجب حياة في الأعمال تؤثّر بها أثرها في السّعادة ، فإن آمن الإنسان بعد الكفر حييت أعماله في تأثير السّعادة بعد كونها محبطة باطلة ، وإن ارتدّ بعد الإيمان ماتت أعماله جميعا وحبطت ، فلا تأثير لها في سعادة دنيويّة ولا أخرويّة ، لكن يرجى له ذلك إن هو لم يمت على الرّدّة ، وإن مات على الرّدّة حتم له الحبط ، وكتب عليه الشّقاء . ومن هنا يظهر بطلان النّزاع في بقاء أعمال المرتدّ إلى حين الموت ، والحبط عنده أو عدمه . توضيح ذلك : أنّه ذهب بعضهم إلى أنّ أعمال المرتدّ السّابقة على ردّته باقية إلى حين الموت ، فإن لم يرجع إلى الإيمان بطلت بالحبط عند ذلك ، واستدلّ عليه بقوله تعالى :
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
الآية . وربّما أيّده قوله تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
الفرقان : 23 ، فإنّ الآية تبيّن حال الكفّار عند الموت ، ويتفرّع عليه أنّه لو رجع إلى الإيمان تملّك أعماله الصّالحة السّابقة على الارتداد . وذهب آخرون إلى أنّ « الرّدّة » تحبط الأعمال من أصلها فلا تعود إليه وإن آمن من بعد الارتداد ، نعم له ما عمله من الأعمال بعد الإيمان ثانيا إلى حين الموت . وأمّا الآية فإنّما أخذت قيد الموت ، لكونها في مقام بيان جميع أعماله وأفعاله الّتي عملها في الدّنيا . وأنت بالتّدبّر فيما ذكرناه تعرف ، أن لا وجه لهذا النّزاع أصلا ، وأنّ الآية بصدد بيان بطلان جميع أعماله وأفعاله ، من حيث التّأثير في سعادته . وهنا مسألة أخرى كالمتفرّعة على هذه المسألة ، وهي مسألة الإحباط والتّكفير ، وهي أنّ الأعمال هل تبطل بعضها بعضا أو لا تبطل ، بل للحسنة حكمها وللسّيّئة حكمها ، نعم الحسنات ربّما كفّرت السّيّئات بنصّ القرآن . ذهب بعضهم إلى التّباطل والتّحابط بين الأعمال ، وقد اختلف هؤلاء بينهم . فمن قائل : بأنّ كلّ لا حق من السّيّئة تبطل الحسنة السّابقة كالعكس ، ولازمه أن لا يكون عند الإنسان من عمله إلّا حسنة فقط أو سيّئة فقط . ومن قائل : بالموازنة ، وهو أن ينقص من الأكثر بمقدار الأقلّ ويبقى الباقي سليما عن المنافي . ولازم القولين جميعا أن لا يكون عند الإنسان من أعماله إلّا نوع واحد حسنة أو سيّئة ، لو كان عنده شيء منهما . ويردّهما أوّلا قوله تعالى :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 671 | مجمع البحوث الاسلامية