تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 672

مساهمون:

ص٦٧٢
بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
التّوبة : 120 ، فإنّ الآية ظاهرة في اختلاف الأعمال وبقائها على حالها إلى أن تلحقها توبة من اللّه سبحانه ، وهو ينافي التّحابط بأيّ وجه تصوّروه . وثانيا : أنّه تعالى جرى في مسألة تأثير الأعمال على ما جرى عليه العقلاء في الاجتماع الإنسانيّ من طريق المجازاة ، وهو الجزاء على الحسنة على حدة وعلى السّيّئة على حدة ، إلّا في بعض السّيّئات من المعاصي الّتي تقطع رابطة المولويّة والعبوديّة من أصلها ، فهو مورد الإحباط ، والآيات في هذه الطّريقة كثيرة غنيّة عن الإيراد . وذهب آخرون إلى أنّ نوع الأعمال محفوظة ، ولكلّ عمل أثره سواء في ذلك الحسنة والسّيّئة . نعم الحسنة ربّما كفّرت السّيّئة ، كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
الأنفال : 29 ، وقال تعالى :
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
الآية ، البقرة : 203 ، وقال تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
النّساء : 31 ، بل بعض الأعمال يبدّل السّيّئة حسنة كما قال تعالى :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ
الفرقان : 70 . وهنا مسألة أخرى هي كالأصل لهاتين المسألتين ، وهي البحث عن وقت استحقاق الجزاء وموطنه ، فقيل : إنّه وقت العمل ، وقيل : حين الموت ، وقيل : الآخرة ، وقيل : وقت العمل بالموافاة ، بمعنى أنّه لو لم يدم على ما هو عليه حال العمل إلى حين الموت وموافاته ، لم يستحقّ ذلك إلّا أن يعلم اللّه ما يؤول إليه حاله ويستقرّ عليه ، فيكتب ما يستحقّه حال العمل . وقد استدلّ أصحاب كلّ قول بما يناسبه من الآيات ، فإنّ فيها ما يناسب كلّا من هذه الأوقات بحسب الانطباق ، وربّما استدلّ ببعض وجوه عقليّة ملفّقة . والّذي ينبغي أن يقال : إنّا لو سلكنا في باب الثّواب والعقاب والحبط والتّكفير وما يجري مجراها مسلك نتائج الأعمال ، على ما بيّنّاه في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
الآية ، البقرة : 26 ، كان لازم ذلك كون النّفس الإنسانيّة ما دامت متعلّقة بالبدن جوهرا متحوّلا قابلا للتّحوّل في ذاته وفي آثار ذاته ، من الصّور الّتي تصدر عنها وتقوم بها نتائج وآثار سعيدة أو شقيّة . فإذا صدر منه حسنة حصل في ذاته صورة معنويّة مقتضية لاتّصافه بالثّواب ، وإذا صدر منه معصية فصورة معنويّة تقوم بها صورة العقاب . غير أنّ الذّات لمّا كانت في معرض التّحوّل والتّغيّر بحسب ما يطرؤها من الحسنات والسّيّئات ، كان من الممكن أن تبطل الصّورة الموجودة الحاضرة بتبدّلها إلى غيرها . وهذا شأنها حتّى يعرضها الموت فتفارق البدن وتقف الحركة ويبطل التّحوّل واستعداده ، فعند ذلك يثبت لها الصّور وآثارها ثبوتا لا يقبل التّحوّل والتّغيّر إلّا بالمغفرة أو الشّفاعة ، على النّحو الّذي بيّنّاه سابقا . وكذا لو سلكنا في الثّواب والعقاب مسلك المجازاة - على ما بيّنّاه فيما مرّ - كان حال الإنسان - من حيث اكتساب الحسنة والمعصية بالنّسبة إلى التّكاليف الإلهيّة