تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
والعبد من صنع يديه سبحانه وهو الجليل العظيم ، الحيّ الدّائم ، الأزليّ الأبديّ ، الأوّل والآخر والظّاهر والباطن . وحبّ العبد لربّه نعمة لهذا العبد لا يدركها ، كذلك إلّا من ذاقها . وإذا كان حبّ اللّه لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما ، وفضلا غامرا جزيلا ، فإنّ إنعام اللّه على العبد بهدايته لحبّه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد ، الّذي لا نظير له في مذاقات الحبّ كلّها ولا شبيه ، هو إنعام هائل عظيم ، وفضل غامر جزيل . وإذا كان حبّ اللّه لعبد من عبيده أمرا فوق التّعبير أن يصفه ، فإنّ حبّ العبد لربّه أمر فلمّا استطاعت العبارة أن تصوّره إلّا في فلتات قليلة من كلام المحبّين . وهذا هو الباب الّذي تفوّق فيه الواصلون من رجال التّصوّف الصّادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الّذي يلبس مسوح التّصوّف ويعرف في سجلّهم الطّويل - ولا زالت أبيات رابعة العدويّة تنقل إلى حسّي مذاقها الصّادق لهذا الحبّ الفريد ، وهي تقول :
فليتك تحلو والحياة مريرة * وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الّذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خراب
إذا صحّ منك الودّ فالكلّ هيّن * وكلّ الّذي فوق التّراب تراب
وهذا الحبّ من الجليل للعبد من العبيد ، والحبّ من العبد للمنعم المتفضّل ، يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض ، وينطبع في كلّ حيّ وفي كلّ شيء ، فإذا هو جوّ وظلّ يغمران هذا الوجود ، ويغمران الوجود الإنسانيّ كلّه ، ممثّلا في ذلك العبد المحبّ المحبوب . والتّصوّر الإسلاميّ يربط بين المؤمن وربّه بهذا الرّباط العجيب الحبيب ، وليست مرّة واحدة ولا فلتة عابرة ، إنّما هو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التّصوّر أصيل :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
مريم : 96 ،
إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
هود : 90 ،
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
البروج : 14 ،
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
البقرة : 186 ،
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
البقرة : 165 ،
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
آل عمران : 31 ، وغيرها كثير . وعجبا لقوم يمرّون على هذا كلّه ، ليقولوا : إنّ التّصوّر الإسلاميّ تصوّر جافّ عنيف ، يصوّر العلاقة بين اللّه والإنسان علاقة قهر وقسر ، وعذاب وعقاب ، وجفوة وانقطاع ، لا كالتّصوّر الّذي يجعل المسيح ابن اللّه وأقنوم الإله ، فيربط بين اللّه والنّاس ، في هذا الازدواج ! إنّ نصاعة التّصوّر الإسلاميّ في الفصل بين حقيقة الألوهيّة وحقيقة العبوديّة ، لا تجفّف ذلك النّدى الحبيب ، بين اللّه والعبيد ، فهي علاقة الرّحمة كما أنّها علاقة العدل ، وهي علاقة الودّ كما أنّها علاقة التّجريد ، وهي علاقة الحبّ كما أنّها علاقة التّنزيه . إنّه التّصوّر الكامل الشّامل لكلّ حاجات الكينونة البشريّة في علاقتها بربّ العالمين . وهنا في صفة العصبة المؤمنة المختارة لهذا الدّين يرد ذلك النّصّ العجيب :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
ويطلق شحنته كلّها في هذا الجوّ ، الّذي يحتاج إليه القلب المؤمن ، وهو يضطلع بهذا العبء الشّاقّ ، شاعرا أنّه الاختيار