جعلنا اللّه ممّن يحبّهم ويحبّونه بمنّه وكرمه . ( 2 : 54 )
أبو حيّان : ( ويحبّونه ) معطوف على قوله : ( يحبّهم ) فهو في موضع جرّ . [ ثمّ أدام الكلام نحو الزّمخشريّ ]
( 3 : 511 )
السّمين : قوله تعالى : ( يحبّهم ) في محلّ جرّ لأنّها صفة ل ( قوم ) ، و ( يحبّونه ) فيه وجهان ؛ أظهرهما : أنّه معطوف على ما قبله ، فيكون في محلّ جرّ أيضا ، فوصفهم بصفتين : وصفهم بكونه تعالى يحبّهم ، وبكونهم يحبّونه .
والثّاني : أجازه أبو البقاء : أن يكون في محلّ نصب على الحال من الضّمير المنصوب في ( يحبّهم ) قال :
تقديره : وهم يحبّونه .
قلت : وإنّما قدّر أبو البقاء لفظة « هم » ليخرج بذلك من إشكال : وهو أنّ المضارع المثبت متى وقع حالا وجب تجرّده من الواو ، نحو : قمت أضحك ، ولا يجوز :
وأضحك ، وإن ورد شيء أوّل بما ذكره أبو البقاء كقولهم :
قمت وأصكّ عينه ، وقوله : * نجوت وأرهنهم مالكا * أي وأنا أصكّ ، وأنا أرهنهم ، فتؤوّل الجملة إلى جملة إسميّة فيصحّ اقترانها بالواو .
ولكن لا ضرورة في الآية الكريمة تدعو إلى ذلك حتّى يرتكب ، فهو قول مرجوح . وقدّمت محبّة اللّه تعالى على محبّتهم لشرفها وسبقها ؛ إذ محبّته تعالى لهم عبارة عن إلهامهم فعل الطّاعة ، وإثابته إيّاهم عليها . ( 2 : 547 )
الآلوسيّ : [ بقوم يحبّهم ] محبّة تليق بشأنه تعالى ، [ ثمّ حكى قول الزّمخشريّ بطوله وقال : ]
وقد خلط فيه الغثّ بالسّمين ، فأطلق القول بالقدح الفاحس في المتصوّفة ، ونسب إليهم مالا يعبأ بمرتكبه ولا يعدّ في البهائم فضلا عن خواصّ البشر ، ولا يلزم من تسمّي طائفة بهذا الاسم غاصبين له من أهله ، ثمّ ارتكابهم ما نقل عنهم ، بل وزيادة أضعاف أضعافه ممّا نعلمه من هذه الطّائفة في زماننا ، ممّا ينافي حال المسمّين به حقيقة أن نؤاخذ الصّالح بالطّالح ، ونضرب رأس البعض بالبعض
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
الأنعام :
164 .
وتحقيق هذا المقام على ما ذكره ابن المنير في « الانتصاف » أنّه لا شكّ أنّ تفسير محبّة العبد للّه تعالى بطاعته له سبحانه ، على خلاف الظّاهر ، وهو من المجاز الّذي يسمّى فيه المسبّب باسم السّبب ، والمجاز لا يعدل إليه عن الحقيقة إلّا بعد تعذّرها ، فليمتحن حقيقة المحبّة لغة بالقواعد ، لننظر أهي ثابتة للعبد متعلّقة باللّه تعالى أم لا ؟ فالمحبّة لغة : ميل المتّصف بها إلى أمر ملذّ .
واللّذّات الباعثة على المحبّة منقسمة إلى : مدرك بالحسن كلذّة الذّوق في المطعوم ، ولذّة النّظر في الصّور المستحسنة إلى غير ذلك ؛ وإلى لذّة مدركة بالعقل كلذّة الجاه والرّئاسة والعلوم وما يجري مجراها ، فقد ثبت أنّ في اللّذّات الباعثة على المحبّة ما لا يدركه إلّا العقل دون الحسّ ، ثمّ تتفاوت المحبّة ضرورة بحسب تفاوت البواعث عليها ، فليس اللّذّة برئاسة الإنسان على أهل قرية كلذّته بالرّئاسة على أقاليم معتبرة ، وإذا تفاوتت المحبّة بحسب تفاوت البواعث فلذّات العلوم أيضا متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات ، وليس معلوم أكمل ولا أجلّ من المعبود الحقّ ، فاللّذّة الحاصلة من معرفته ومعرفة جلاله وكماله تكون أعظم ، والمحبّة المنبعثة عنها