ابن عطيّة : والّذي يظهر عندي أنّه إشارة إلى الجاهليّة الّتي لحقتها ، فأمرن بالنّقلة عن سيرتهنّ فيها ، وهي ما كان قبل الشّرع من سيرة الكفرة ، لأنّهم كانوا لا غيرة عندهم ، فكان أمر النّساء دون حجبة . وجعلها « أولى » بالإضافة إلى حالة الإسلام ، وليس المعنى أنّ ثمّ جاهليّة أخرى ، وقد مرّ اسم الجاهليّة على تلك المدّة الّتي قبيل الإسلام ، فقالوا : جاهليّ ، في الشّعراء .
( 4 : 384 )
الطّبرسيّ : قيل : إنّ معنى
تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى
أنّهم كانوا يجوّزون أن تجمع امرأة واحدة زوجا وخلّا ، فتجعل لزوجها نصفها الأسفل ، ولخلّها نصفها الأعلى يقبّلها ويعانقها . ( 4 : 356 )
القرطبيّ : [ نقل أقوال المفسّرين ، وبعد قول ابن عطيّة قال : ]
قلت : وهذا قول حسن ، ويعترض بأنّ العرب كانت أهل قشف وضنك في الغالب ، وأنّ التّنعّم وإظهار الزّينة إنّما جرى في الأزمان السّابقة ، وهي المراد ب
الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى .
وأنّ المقصود من الآية مخالفة من قبلهنّ من المشية على تغنيج وتكسير وإظهار المحاسن للرّجال ، إلى غير ذلك ممّا لا يجوز شرعا ، وذلك يشمل الأقوال كلّها ويعمّها . ( 14 : 180 )
عبد الكريم الخطيب : أي الجاهليّة العريقة في الجهل . ( 11 : 706 )
المصطفويّ : أي الجاهليّة السّابقة الّتي قبل الإسلام . و ( الأولى ) بمعنى السّابقة المتقدّمة ، وتفسيرها بما يقابل الثّانية غير وجيه ، كما في
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
طه : 21 ،
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
طه :
51 ،
أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
طه : 133 .
( 2 : 141 )
مكارم الشّيرازيّ : الظّاهر أنّها الجاهليّة الّتي كانت في زمان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ولم تكن النّساء محجّبة حينها كما ورد في التّواريخ ، وكنّ يلقين أطراف خمرهنّ على ظهورهنّ في الوقت الّذي كانت فيه نحورهنّ وجزء من صدورهنّ وأقراطهنّ ظاهرة ، وقد منع القرآن الكريم أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من مثل هذه الأعمال .
ولا شكّ أنّ هذا الحكم عامّ ، والتّركيز على نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من باب التّأكيد الأشدّ تماما ، كما نقول لعالم :
أنت عالم فلا تكذب ، فلا يعني هذا أنّ الكذب مجاز ومباح للآخرين ، بل المراد أنّ العالم ينبغي أن يتّقي هذا العمل بصورة آكد .
إنّ هذا التّعبير يبيّن أنّ جاهليّة أخرى ستأتي كالجاهليّة الأولى الّتي ذكرها القرآن ، ونحن نرى اليوم آثار هذا التّنبّؤ القرآنيّ في عالم التّمدّن المادّيّ ، إلّا أنّ المفسّرين القدامى لم يتنبّؤوا ويعلموا بمثل هذا الأمر ، لذلك فقد جهدوا في تفسير هذه الكلمة ، ولذلك اعتبر البعض منهم
الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى
هي الفاصلة بين آدم ونوح ، أو الفاصلة بين عصر داود وسليمان ؛ حيث كانت النّساء تخرج بثياب يتّضح منها البدن ، وفسّروا الجاهليّة العربيّة قبل الإسلام بالجاهليّة الثّانية .
ولكن لا حاجة إلى هذه الكلمات كما قلنا ، بل الظّاهر أنّ
الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى
هي الجاهليّة قبل الإسلام ، والّتي أشير إليها في موضع آخر من القرآن الكريم - في الآية