ولجاجه واستعلائه على الحقّ ، فيتواضع للحقّ ويدخل في ذلّ العبوديّة ، فيكشف ذلك عندهم عن أنّ عناده كان عن جهالة ، وفي الحقيقة كلّ معصية جهالة من الإنسان ، وعلى هذا لا يبقى للمعاند مصداق إلّا من لا يرجع عن سوء عمله إلى آخر عهده بالحياة والعافية .
[ إلى أن قال : ]
ويتبيّن ممّا مرّ أنّ القيدين جميعا ، أعني قوله :
( بجهالة ) وقوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
احتراز ، بأن يراد بالأوّل منهما : أن لا يعمل السّوء عن عناد واستعلاء على اللّه . [ إلى أن قال : ]
ويمكن أن يكون قوله : ( بجهالة ) قيدا توضيحيّا ، ويكون المعنى : للّذين يعملون السّوء . ولا يكون ذلك إلّا عن جهل منهم ، فإنّه مخاطرة بالنّفس وتعرّض لعذاب أليم ، أو لا يكون ذلك إلّا عن جهل منهم بكنه المعصية وما يترتّب عليها من المحذور ، ولازمه كون قوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
إشارة إلى ما قبل الموت ، لا كناية عن المساهلة في أمر التّوبة . فإنّ من يأتي بالمعصية استكبارا ولا يخضع لسلطان الرّبوبيّة ، يخرج على هذا الفرض بقوله :
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
لا بقوله : ( بجهالة ) وعلى هذا لا يمكن الكناية بقوله : ( ثمّ يتوبون ) عن التّكاهل والتّواني ، فافهم ذلك ، ولعلّ الوجه الأوّل أوفق لظاهر الآية . ( 4 : 239 - 241 )
عبد الكريم الخطيب : المراد بالجهالة هنا :
ما يركب الإنسان من حمق وطيش ونزق ، وهو في مواجهة المنكر ، وليس المراد بالجهالة : عدم العلم بالمنكر الّذي يرتكبه ، فهذا معفوّ عنه ، ومحسوب من باب الخطأ .
( 2 : 726 )
المصطفويّ : فإنّ الجهالة عذر موجّه وقصور يوجب العفو ، بخلاف العمل السّيّئ بعلم وتوجّه ، فإنّه تقصير وعصيان عمديّ ، ولا يبقى معه اعتذار حتّى يتوب اللّه عليه ، إلّا أن يتوب بفضله ومنّه وكرمه .
( 2 : 140 )
مكارم الشّيرازيّ : وهنا يجب أن نرى ما ذا تعني « الجهالة » هل هي الجهل وعدم المعرفة بالمعصية ، أم هي عدم المعرفة بالآثار السّيّئة والعواقب المؤلمة للذّنوب والمعاصي ؟ إنّ كلمة الجهل وما يشتقّ منها وإن كانت لها معان مختلفة ، ولكن يستفاد من القرائن أنّ المراد منها في الآية المبحوثة هنا هو طغيان الغرائز ، وسيطرة الأهواء الجامحة ، وغلبتها على صوت العقل والإيمان . وفي هذه الصّورة وإن لم يفقد المرء العلم بالمعصية إلّا أنّه حينما يقع تحت تأثير الغرائز الجامحة ، ينتفي دور العلم ويفقد مفعوله وأثره ، وفقدان العلم لأثره مساو للجهل عملا .
وأمّا إذا لم يكن الذّنب عن جهل وغفلة بل كان عن إنكار لحكم اللّه سبحانه وعناد وعداء ، فإنّ ارتكاب مثل هذا الذنّب ينبئ عن الكفر ، ولهذا لا تقبل التّوبة منه ، إلّا أن يتخلّى عن عناده وعدائه وإنكاره وتمرّده .
وفي الحقيقة إنّ هذه الآية تبيّن نفس الحقيقة الّتي يذكرها الإمام السّجّاد عليه السّلام في دعاء أبي حمزة ببيان أوضح ؛ إذ يقول : « إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيّتك جاحد ولا بأمرك مستخفّ ، ولا لعقوبتك متعرّض ، ولا لوعيدك متهاون ، لكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي وغلبني هواي » . ( 3 : 139 )