الذّكر عليه وينسبونه إلى الجنون ، والتّعكيس في كلامهم للاستهزاء والتّهكّم مذهب واسع ، وقد جاء في كتاب اللّه في مواضع منها :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
الانشقاق :
24
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
هود : 87 ، وقد يوجد كثير في كلام العجم .
والمعنى : إنّك لتقول قول المجانين حين تدّعي أنّ اللّه نزّل عليك الذّكر . ( 2 : 378 )
نحوه النّسفيّ ( 2 : 269 ) ، والخازن ( 4 : 47 ) ، وأبو حيّان ( 5 : 446 ) ، والشّربينيّ ( 2 : 194 ) ، وأبو السّعود ( 4 : 8 ) ، والقاسميّ ( 10 : 3747 ) ، والمراغيّ ( 14 : 8 ) .
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى لمّا بالغ في تهديد الكفّار ، ذكر بعده شبههم في إنكار نبوّته : فالشّبهة الأولى :
أنّهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات :
الأوّل : أنّه عليه السّلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنّوا أنّها جنون ، والدّليل عليه قوله :
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
القلم : 51 ، 52 ، وأيضا قوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
الأعراف : 184 .
والثّاني : أنّهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقّا من عند اللّه تعالى ، فالرّجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره ، فربّما قال له : هذا جنون وأنت مجنون ، لبعد ما يذكره من طريقة العقل ، وقوله :
إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
في هذه الآية يحتمل الوجهين .
أمّا قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
الحجر : 6 ، ففيه وجهان :
الأوّل : أنّهم ذكروه على سبيل الاستهزاء ، كما قال فرعون :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
الشّعراء : 27 ، وكما قال قوم شعيب :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
هود : 87 ، وكما قال تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
آل عمران : 21 ، لأنّ البشارة بالعذاب ممتنعة .
والثّاني :
يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
في زعمه واعتقاده ، وعند أصحابه وأتباعه . ( 19 : 158 )
البروسويّ : نادوا به النّبيّ عليه السّلام على وجه التّهكّم ، ولذا جنّنوه بقولهم :
إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
إذ لا يجتمع اعتقاد نزول الذكّر عليه ونسبة الجنون إليه ، والمعنى : إنّك لتقول قول المجانين ، حين تدّعي أنّ اللّه نزّل عليك الذّكر ، أي القرآن . وجواب هذه الآية قوله تعالى في سورة القلم : 2
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
أي ما أنت بمجنون حال كونك منعما عليك بالنّبوّة وكمال العقل .
يقول الفقير : الجنون من أوصاف النّقصان ، يجب تبرئة ساحة الأنبياء وكمّل الأولياء منه ، وعدّ نسبته إليهم من الجنون ؛ إذ لا سفه أشدّ من نسبة النّقصان وسخافة العقل ، والإذعان إلى المراجيح الرّزان ، ولا عقل من العقول إلّا وهو مستفيض من العقل الأوّل الّذي هو الرّوح المحمّديّ ، والعاقل بالعقل المعادي مجنون عند العاقل بالعقل المعاشي ، وبالعكس . ولا يكون مجنونا بالجنون المقبول إلّا بعد دخول دائرة العشق . ( 4 : 442 )
الآلوسيّ : يعنون يا من يدّعي مثل هذا الأمر العظيم الخارق للعادة ، إنّك بسبب تلك الدّعوى متحقّق جنونك على أتمّ وجه ، وهذا كما يقول الرّجل لمن يسمع منه كلاما يستبعده : أنت مجنون . وقيل : حكمهم هذا لما