جاء بالجنف فهو مجنف . وجنف عن طريقه وجنف وتجانف : عدل ، وتجانف إلى الشّيء : عدل ، وتجانف لإثم : مال . ولجّ فلان في جناف قبيح وجناب قبيح :
لجّ في مجانبة أهله .
2 - وبين « الجنف » و « الحنف » و « الخنف » اشتقاق أكبر ، وهو الميل ، إلّا أنّ الجنف - كما تقدّم - ميل في الجانب والظّهر ، والحنف - كما سيأتي في « ح ن ف » - ميل في الرّجل ، مثل : الخنف والصّدف والسّقف والفجج والفحج والفدع والوكع والرّوح والقفد وغيرها . ويبدو أنّ الحنف رأسها ورئيسها ، لأنّه معروف في سائر اللّغات السّاميّة دونها .
كما أنّ كلّ هذه الألفاظ جاءت على وزن « فعل » ، وهذا ما اختصّ بعيوب الرّجل ، ومنها : العرج والخفج والزّكك والحرد والظّلع .
الاستعمال القرآنيّ
جنفا - متجانف
1 -
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
البقرة : 182
2 -
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
المائدة : 3
ويلاحظ أوّلا : أنّ الجنف والمتجانف كلاهما جاء مع الإثم ، فيبدو أنّ بين اللّفظين علاقة مع فارق بين الجنف والمتجانف ، وهو أنّ ( اثما ) في ( 1 ) معطوف على ( جنفا ) فيبدو أنّه شيء يغايره ويقابله . أمّا ( المتجانف ) في ( 2 ) فقد تعلّق ب ( اثم ) فيبدو أنّهما متّصلان غير متقابلين ، فهل اختلف معنى الجنف والمتجانف ؟
والجواب : يظهر من ملاحظ تفسير الآيتين ، فالقدر المشترك بين اللّفظين من مادّة « ج ن ف » هو الانحراف والميل عن الحقّ إلى غيره عمدا أو خطأ - كما قال الطّوسيّ : « أصل الباب الميل عن الاستواء » - إلّا أنّ عطف ( اثما ) على ( جنفا ) في ( 1 ) ألزم كبار المفسّرين - كالطّبريّ والطّوسيّ والفخر الرّازيّ وغيرهم - أن يخصّوا ( جنفا ) بالميل خطأ و ( اثما ) بالميل عمدا . أمّا ( المتجانف ) حيث تعلّق ب ( اثم ) فخصّوه بالمتعهّد . قال الطّبريّ : « وهو في هذا الموضع مراد به المتعهّد له القاصد إليه » .
ثانيا : فقد ظهر بذلك أنّ اللّفظين كلاهما بمعنى الانحراف والميل ، وأنّ من فسّر الجنف بالميل خطأ والمتجانف بالمتعهّد فقد أخطأ . قال الفخر الرّازيّ :
« والفرق بين الجنف والإثم : أنّ الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم به ، والإثم هو العمد » إذ لا دخل للخطإ والعمد في معنى اللّفظين ، وإنّما حملا على ذلك بقرينة ما ضمّ إليهما ممّا ذكر . ولعلّه أراد تفسيرهما بملاحظة تلك القرائن ، وبذلك ظهر أيضا أنّ ذكر الجور في معنى « جنف » هو بمعنى الميل والعدول ، دون الظّلم والتّجاوز ، وإن لازمه أحيانا .
وأيضا لا وجه لاختصاص الجنف بالوصيّة والمتجانف بأكل الطّعام الحرام ، فإنّ ذلك كلّه مستفاد من سياق الآيتين .
ثالثا : قال الطّباطبائيّ في ( 1 ) : « المراد الميل إلى الإثم