وفيه دقيقة عقليّة ، وهو أنّ الإنسان حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة اللّه تعالى ، وإلى الاتّصال بعالم الغيب ومعارج الرّوحانيّات .
وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحسّ والجسم واللّذّات الجسدانيّة ، وما دام الرّوح متعلّقا بهذا الجسد ، فإنّه لا ينفكّ عن حبّ الجسد ، وعن طلب اللّذّات الجسمانيّة ، فكأنّه تعالى خاطب الصّدّيقين العارفين .
وقال : حصلت الخصومة بين الحوادث العقليّة الإلهيّة وبين النّوازع النّفسانيّة الجسدانيّة ، والتّرجيح لجانب العقل ، لأنّه يدعوا إلى فضل اللّه ورحمته ، والنّفس تدعو إلى جمع الدّنيا وشهواتها . وفضل اللّه ورحمته خير لكم ممّا تجمعون من الدّنيا ، لأنّ الآخرة خير وأبقى وما كان كذلك فهو أولى بالطّلب والتّحصيل . ( 17 : 119 )
نحوه النّيسابوريّ . ( 11 : 93 )
القرطبيّ : يعني في الدّنيا ، وقراءة العامّة بالياء في الفعلين . وروي عن ابن عامر أنّه قرأ
( فَلْيَفْرَحُوا )
بالياء ، ( تجمعون ) بالتّاء خطابا للكافرين . وروي عن الحسن أنّه قرأ بالتّاء في الأوّل ، و
( يَجْمَعُونَ )
بالياء على العكس .
وروى أبان عن أنس أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من هداه اللّه للإسلام وعلّمه القرآن ثمّ شكا الفاقة ، كتب اللّه الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه ، ثمّ تلا
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ . . . .
( 8 : 354 )
أبو حيّان : [ بعد نقل القراءات قال : ] يعني من حطام الدّنيا ومتاعها . ( 5 : 172 )
نحوه الشّربينيّ ( 2 : 26 ) ، وأبو السّعود ( 3 : 252 ) .
البروسويّ : من الأموال الفانية . [ إلى أن قال : ]
ولو كان في جمع حطام الدّنيا منفعة لانتفع قارون .
( 4 : 54 )
الآلوسيّ : من الأموال والحرث والأنعام وسائر حطام الدّنيا ، فإنّها صائرة إلى الزّوال مشرفة عليه ، وهو راجع إلى لفظ ذلك باعتبار مدلوله ، وهو مفرد ، فروعي لفظه وإن كان عبارة عن الفضل والرّحمة . ( 11 : 141 )
القاسميّ : أي من الأموال وأسباب الشّهوات ؛ إذ لا ينتفع بجميعها ولا يدوم ، ويفوت به اللّذّات الباقية ؛ بحيث يحال بينهم وبين ما يشتهون . ( 9 : 3362 )
رشيد رضا : أي أنّ الفرح بفضله وبرحمته أفضل وأنفع لهم ، ممّا يجمعونه من الذّهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ، وسائر متاع الحياة الدّنيا ، مع فقدهما . ( 11 : 407 )
الطّباطبائيّ : قوله :
هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
بيان ثان لمعنى الحصر .
فظهر بذلك كلّه أنّ الآية تفريع على مضمون الآية السّابقة ، فإنّه تعالى لمّا خاطب النّاس امتنانا عليهم ، بأنّ هذا القرآن موعظة لهم وشفاء لما في صدورهم ، وهدى ورحمة للمؤمنين منهم ، فرّع عليه أنّه ينبغي لهم حينئذ أن يفرحوا بهذا الّذي امتنّ به عليهم من الفضل والرّحمة ، لا بالمال الّذي يجمعونه ، فإنّ ذلك - وفيه سعادتهم وما تتوقّف عليه سعادتهم - خير من المال الّذي ليس إلّا فتنة ، ربّما أهلكتهم وأشقتهم . ( 10 : 83 )
تجمعوا
. . . وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ .
النّساء : 23