أبو السّعود : بأن ينطقها اللّه تعالى أو يظهر عليها آثار ما اقترفوا بها . وعن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنّ المراد بشهادة الجلود : شهادة الفروج وهو الأنسب بتخصيص السّؤال بها في قوله تعالى :
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
فإنّ ما تشهد به من الزّنى أعظم جناية وقبحا ، وأجلب للخزي والعقوبة ممّا يشهد به السّمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسّطهما .
وقيل : المراد بالجلود : الجوارح ، أي سألوها سؤال توبيخ ، لما روي أنّهم قالوا لها : فعنكنّ كنّا ننازل ، وفي رواية : بعدا لكنّ وسحقا ، عنكنّ كنت أجادل . وصيغة جمع العقلاء في خطاب الجلود في قوله تعالى :
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ . . .
( 5 : 441 )
البروسويّ : ( جلودهم ) : ظواهر أنفسهم وبشراتهم بما لامست محظورا ، والجلد : قشر البدن .
وقيل : المراد بالجلود : الجوارح والأعضاء . ( 8 : 247 )
الشّوكانيّ : [ نقل كلام الفخر الرّازيّ ثمّ قال : ]
إذا عرفت من كلامه هذا وجه تخصيص الثّلاثة بالذّكر ، عرفت منه وجه تخصيص الجلود بالسّؤال ، لأنّها قد اشتملت على ثلاث حواسّ ، فكان تأتي المعصية من جهتها أكثر .
وأمّا على قول من فسّر الجلود بالفروج ، فوجه تخصيصها بالسّؤال ظاهر ، لأنّه ما يشهد به الفرج من الزّنى أعظم قبحا ، وأجلب للخزي والعقوبة . ( 4 : 641 )
الآلوسيّ : [ نقل كلام أبي السّعود ثمّ قال : ]
وفيه نظر ، ولعلّ إرادة الظّاهر أولى ، ولعلّ تخصيص السّؤال بالجلود ، لأنّها بمرأى منهم ، بخلاف السّمع والبصر ، أو لأنّها هي مدركة العذاب بالقوّة المودعة فيها ، كما يشعر به قوله تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ .
( 24 : 115 )
القاسميّ : [ نقل كلام ابن الأثير ثمّ قال : ]
وناقشه ابن أبي الحديد في « الفلك الدّائر » بما محصّله :
أنّ حمل الجلد على الفرج إنّما يتعيّن ، إذا كان بين لفظتي الجلد والفرج أو معناهما مناسبة . ولا نجد مناسبة إلّا أن يكون لأجل أنّ الجلد جزء من أجزاء ماهيّة الفرج ، فعبّر عن الكلّ بالبعض ، وهو بعيد جدّا ، انتهى .
وأقول : مقصود من أثر عنه : إرادة الفروج بالجلود ، هو إرادة الفرد الأهمّ والأقوى ؛ وذلك لأنّ الجلود تصدق على ما حواه الجسم من الأعضاء والعضلات الّتي تكتسب الجريمة .
ولا يخفى أنّ أهمّها بالعناية وأولاها بالإرادة هو الفروج ، لأنّ معصيتها تربي على الجميع .
وقد عهد في مفسّري السّلف اقتصارهم في التّأويل من العامّ على فرده الأهمّ ، كقصرهم ( سبيل اللّه ) على الجهاد ، مع أنّ ( سبيل اللّه ) يصدق على كلّ ما فيه خير وقربة ونفع ومعونة على الطّاعة ، إلّا أنّ أهمّ الجميع هو جهاد الّذين يصدّون عن الحقّ ؛ فذكر الجهاد لا ينفي غيره . وهذه فائدة ينبغي أن يحرص على فهمها كلّ من له عناية بالتّفسير ، فإنّها من فوائده الجليلة ، وينحلّ بها إشكالات ليست بالقليلة ، واللّه الموفّق .
وقوله تعالى :
وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
إنّما من تمام كلام الجلود ، أو مستأنف من كلامه تعالى . وعلى كلّ ، فهو مقرّر لما قبله ، بأنّ القادر